مطَار القاهرة الدولي .. وحتمية التحديث

آراء

     لطالما آمنَّا بأن العنوان هو العتبة الأولى للنَّص، والنافذة المُشرَعة، التي ‏تشكّل في ذِهن المتلقي انطباعاتِه الأولى. وفي هذا السياق، يتجاوَز مطار ‏القاهرة الدولي كونه مجرَّد مرفق لوجيستي، يستقبل أكثر من واحد وثلاثين ‏مليون مسافر سنويًّا؛ فهو “العنوان” الأكبر للدولة، والرسالة البَصَرية ‏الأولى، التي تبلْوِر في وجدان القادم ووعيه ما ينتظره على أرض مصر، ‏مهْد الحضارات والفنون وعَرَاقة التاريخ.‏

     إن السائح الذي يقطع آلاف الأميال لا يرى الأهرامات أو النيل في لحظة ‏وصوله الأولى؛ بل يلحَظ حال “الجيت تيوب” (الأنبوب الموصل) بين ‏الطائرة وصالات الوصول، وتصميم معمار المطار وتنظيمه ونظافته، كما ‏يواجَه بطبيعة التعامُل مع موظَّفي الجوازات والعاملين، تعقُّد الإجراءات أو ‏سيولتها. تلك اللحظات القليلة كفيلة بصياغة “القصة” التي سيرويها عن ‏مصر في بلاده؛ فإما أن تكون قصة انبهار ببلد يعبِّر عن هُوَيته، ويبرِزها ‏في أجْلَى صُوَرها، بلد يحترم زوَّاره، وييسِّر لهم تجربة ممتِعة وغنية، أو ‏قصة عشوائية تفتقِر للاتساق والتحديث.‏

1ــ أزمة التفاصيل الصغيرة وصدمة البداية

     للأسف، لا يزَال المطار – رغم أعمال التطوير الإنشائي – يعاني من قُبح ‏بَصري وضجيج سلوكي، يعكِّر صفْوَ العابرين العام. فمن غير المفهوم أن ‏تُترك أشياء صغيرة لتفسِد التجربة الكُلية؛ كأن يغزو الصدأ والاتساخُ ‏المَمرَّات، بداية من “الجيت تيوب” حتى أماكن ختْم الجوازات، أو أن تضجَّ ‏الصالات بالأصوات العالية، سواء من نداءات غير منضبِطة، أو ‏سلوكيات غير لائقة لبعض العاملين، الذين يفرِضون مساعداتٍ غيرَ ‏مطلوبة، بطرُق لزِجة، أو من جهَامة وجوه البعض. هذه العشوائية تجعل ‏السائح يشعر أن المنظومة تفتقر إلى “الكمال الإداري”، وتدفعه للتساؤل ‏عن جدوى الجيوش من الموظَّفين في غياب الانضباط.‏

2ــ هندسة السلوك البشري وترقيته

     إن مشكلة الإلحاح على “المساعدة غير المطلوبة” ظاهرة اجتماعية، ‏تتطلَّب وضْع حلول جذرية، أو منْع وجود العامل البشري قدْر الإمكان؛ ‏لخلْق مساحة بصرية راقية، دون الاحتكاك بأي من العناصر البشرية إلا ‏بعد إعدادهم بصورة لائقة؛ لضمان خدمة المسافر على الوجه الأكمل. كما ‏يجب أن تكون صالة الوصول منطقة مغلَقة تمامًا، لا يدخلها إلا ‏المسافرون والموظَّفون المأهَّلون فقط، المدرِكون لحساسية مواقعهم، وأنهم ‏الواجِهَة الأولى لمصر، هذا مع تصميم مسارات تضْمن خروج السائح إلى ‏منطقة مصمَّمة هندسيًّا لمنْع التكدُّس.‏

     كما يتطلَّب استلام الحقائب تنظيم سلوك الخدمة وترقيتها؛ فإذا كانت ‏الحاجة قائمة للمساعدة؛ فيجب أن يكون العاملون ضِمْن “زِيٍّ موحَّد” ‏ومعتمَد، يعملون تحت مظلة شركة تنظيمية واضحة، وبأسعار معلَنة، ‏لتحويلهم من متطفِّلين إلى مقدِّمي خدمة محترفين، مكتفون برواتبهم ‏ومقدرون لكرامتهم. كذلك، يجب تدريب الموظَّفين (أمنيًّا وإداريًّا) على ‏‏”ذكاء الانطباع الأول”، عبْر التركيز على لُغة الجسد والابتسامة، والتحول ‏من دور “المراقِب” إلى “المضيف”، القادر على حَلِّ المشكلات البسيطة، ‏دون إحالة للرؤساء.‏

3ــ نحو مطار ذكي: برؤية لفلسفة الإدارة والرَّقْمَنة

     وفي يقيني لا تتطلَّب هذه المعالجةُ معجزاتٍ؛ بل فلسفةَ إدارةٍ واعيةً، نبدأها بالرَّقْمَنة الشاملة، بالتوسع في بوابات الجوازات الذكية؛ لتقليل الاحتكاك ‏البشري، وتوظيف الذكاء الاصطناعي؛ لتحليل أوقات الذروة، وتوجيه ‏حركة الركاب ديناميكيًّا، قبْل حدوث التكدُّس.‏

     كما علينا النظر إلى المطار كمعرض فنيٍّ، وذلك باستثمار المساحات ‏المواجِهة للزائر؛ لتعكس التراث المصري بلمْسة عصرية مبهجة، وإضاءة ‏مريحة، مما يحوِّل لحظةَ الانتظار من توتُّر إلى استمتاع، فالمكان الجميل ‏يفرِض تلقائيًّا السلوك المتحضِّر. كما أن الفنون المصرية غنية بتميُّزها ‏وطابَعها الخاص، فماذا لو وظَّفت إدارة المطار الموسيقى والفنون التشكيلية ‏المصرية ضمْن منظومة استقبال مميَّزة للسائح؟ شرْط تميُّزها بالهدوء ‏والراحة. أتذكَّر أنه راقَني في مطار البحرين الحديث مجموعة من اللوحات ‏التشكيلية والمنحوتات الموظَّفة لاستقبال الزائرين في صالات الوصول. ‏

     كما يمكن وضْع أجهزة رقمية بسيطة (وجْه مبتسِم/ حزين) لتقييم الأداء في ‏نقاط الاحتكاك، لتتمكَّن الإدارة من التدخُّل الفوري لتصحيح مَواطِن الخَلَل.‏

     كما لا أفهم كيف لمنظومة رقمية كاملة أن تخرُج عن الخدمة في مِرفق ‏ومكان حيوي كمطار القاهرة؛ فتتكدَّس طوابير المسافرين، الذين يريدون ‏إنهاء إجراءاتهم، من أجْل اللحاق بطائرتهم؟ أين البدائل السريعة في مرفقٍ ‏جوهرُ خِدْماته قائمة على التوقيت المحدَّد للمغادرة والوصول؟

4ــ رؤية استشرافية لمطار يليق بالجمهورية الجديدة

     نحن بحاجة لضبْط إيقاع المطار الحالي كخطوة أولى؛ لترميم صورة مصر ‏السياحية، خاصة وأن المستهدَف في السنوات القادمة الوصول لضِعف ‏عدد السائحين، وتوجيه أنظارهم لمصر، لقضاء إجازاتهم. ولعل الوقت قد ‏حان للتعاقُد مع شركات إدارة عالمية لتطوير المنظومة كاملة، وإدراك أوْجُه ‏الخَلَل، ومعالَجة مواضع القصور.‏

     كما يتعيَّن التفكير في مطار دولي جديد – ربما على أطراف العاصمة ‏الإدارية – ويُقام على أرض متَّسِعة، تَسَعُ أحلامَنا لمصر، ويُراعَى في ‏مساحته تحوُّلات المستقبَل القريب والبعيد، ويُدَار بطرُق تكنولوجية عالمية، ‏على غِرارِ تجارُبَ دوليةٍ ناجحة، استعانت بحق الانتفاع كما فعلت تركيا، ‏حيث تأتي إحدى الشركات العالمية المتخصصة في بناء المطارات ‏وتشغيلها، وتقوم هي بالتكلفة كاملة على أن تحصد عوائده لعدد محدد من ‏السنوات ليعود بعدها المطار للدولة، مطار يستطيع إبهار السائح، وإبراز ‏الخصوصية المصرية، وتنوُّع مقوِّماتها الحضارية من خلال المعمار ‏والفنون، على أن يُراعَى التحديث الدائم، والمزج بين الماضي والحاضر في ‏أبهَى صُوَره.‏

     وما المانع لو اشترك بعض المفكِّرين المصريين، والفنانين التشكيليين، ‏والموسيقيين في لجنة تطوير مطار القاهرة الدولي الحالي، أو في وضْع ‏فلسفة المطار الجديد، الذي يحلم كل مصري وطني أصيل بإقامته؛ ليَتِمَّ ‏التخطيط له وإنشاؤه، منذ البداية، وفْق أحدث معايير بناء المطارات ‏العالمية، فتتَّجِه له الأبصار، باعتباره من الأفضل في العالم، لماذا لا ‏تطال أحلامنا السماء؟ خاصةً وأننا نتعامل مع مرفق لوجيستي مهم، يمكنه ‏لو تَمَّ تحديثه أن يُدِرَّ عائدًا سياحيًّا ضخمًا، خاصة في تجربة السفر ‏الترانزيت؛ حيث يتعيَّن استغلال موقِع مصر الجغرافي، ومراعاة أنها بوابة ‏أفريقيا الأولى والأهم. ‏

     في تقديري، إن المطار يجب أن يكون تجربة سَفر مريحة وممتِعة، وموقع ‏جذْب وإعجاب، لا موقع عبور فقط، فمطار سنغافورة وقطَر، أو مطارات ‏اليابان- على سبيل المثال – تُعَد مزارات مميَّزة، وأماكن لقضاء يوم كامل، ‏يستمتِع فيه الفرد بتجربة التسوق الفريدة، وتناوُل الأطعمة ضمْن ثقافات ‏مختلِفة، والحصول على بعض الأنشطة الترفيهية، والاستمتاع بالحدائق ‏والشلالات.‏

     كما أن مبدأ الشرَاكة بين القطاعَين العام والخاص يمنح المطار فرصة ‏لتحقيق هذا التنوع وثراء الإمكانات، كما سيمنحه أيضًا مرونة في إدارة ‏الخِدْمات، ودمْج شركات النقل الرسمية داخل تطبيق ذكي، وهو ما بإمكانه ‏القضاء تمامًا على فوضَى المواصَلات.‏

     إن التطوير الذي أنشُده، لا يتوقَّف عند جَمالية البناء، ولا تنوُّع الخِدْمات ‏ويُسرها فقط؛ بل ينشأ منذ البداية في نوعية “فلسفة الإدارة”، التي تقدِّر ‏الإنسان، وتصنع التميُّز. فعندما يشعر السائح أن المنظومة تحترمه وتسهِّل ‏طريقَه وخِدْماتِه؛ سيتلاشَى شعور الفوضَى، ويتحوَّل إلى سفير فوق العادة ‏لمصر، مكرِّرًا زيارته لها، ومحتفيًا بتجربته فيها.‏

     نمتلك المقوِّمات الغنية، ولدينا أفضل العناصر المِهْنية الفنية في الطيران، ‏ويحرِّكنا عشْقُنا لهذا الوطن، لكننا نفتقر للإدارة الذكية المرِنة، المثقَّفة، ‏الصارمة في إعلاء القانون، والالتزام بمعايير اختيار العناصر البشرية، ‏التي تضبط هذه الإمكانات، وتديرها بمنطق العصر وطرُقه المحدَّثة، رؤية ‏وتكنولوجيا، ومواكَبة للتحولات، نحن بحاجة لإدارة تغادِر الالتزام بالوظيفية ‏والمِهْنية فقط؛ لتجمَع معهما الابتكار وجعْل كل تجربة تتمتع بفَرَادتها.‏

المصدر: المصري اليوم