قراءة في ما بَعد الحرب الأمريكية الإيرانية الأخيرة..‏

آراء

ربما بدا المشهد – الذي سأقُصُّه عليكم – مركَّبًا، ويتضمَّن مبالغاته، لكنه ‏ليس خياليًّا، ويحدُث من حولنا كل يوم، ولنا أيضًا، لذا سأقوم بسَرده: “بعد ‏منتصف الليل، يصحو أحدهم مفزوعًا بسبب قنبلة أو مسيَّرة أو بقايا ‏صاروخ سقطت فوق بيته، يهرول في اتجاه غُرف أولاده، ليَجِد أحدهم قد ‏فارَق الحياة، أو جميعهم، كما تم تدمير منزله “سكنه وأمْنه”. شخص آخر ‏يذهب إلى عمله، فيُطلب منه مقابَلة المسئول عن الموارِد البشرية؛ ليُفاجَأ ‏بأنهم ينهون خدماتِه لخفْض الميزانيات، وتقليص العمالة في معظم ‏المؤسَّسات. شخص ثالث سيجد الشركة أو المؤسَّسة التي كان يعمل بها ‏قد أضيرت، وخرجت عن الخدمة لوقت غير معلوم. الكثيرون يذهبون لمَد ‏سياراتهم بالوقود؛ فيجدون ارتفاعاتٍ هائلةً للأسعار، تلتهم ميزانياتهم، ‏ويتفاقم الوضع عندما يتوجَّهون للسوبر ماركت، فقيمة الفاتورة زادت لثلاثة ‏أضعاف في الغالب، يتأمل الإنسان في يومه وغده شاردًا، حزينًا على ما ‏فقَد، ويقف في مكانه حائرًا، قلِقًا من استمرار وجوده. ليقفز السؤال الأهم: ‏لماذا يكتوي البسطاء باشتعال تلك الصراعات والحروب؟ وما موقعهم في ‏صراعات الهيمنة، واحتكار القوة ومقوماتها بين الأقطاب؟

تكشَّفت مجموعة من المعايير الجديدة التي باتت تحكُم صراعات القوى ‏الكبرى في العالم، بعد مسلسل وقائع الحرب الأمريكية الإيرانية، التي لم ‏تزَلْ فصولها تتوالى كل ساعة، والتي اختلفت نسبيًّا عما رصدت له في ‏كتاب “سرديات الحروب والنزاعات.. تحولات الرؤية والتقنية”:‏

ــ عكَست الصدمة – التي تعرَّضت لها أسواق الطاقة والتجارة الدولية – ‏الطبيعةَ المترابِطة للنظام العالمي المعاصِر، فالحروب الإقليمية لم تعُدْ ‏محصورة في نطاقها الجغرافي؛ بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي ‏بأسْره، ما يجعل من أيِّ قرار عسكري مغامرة ذات تداعيات تتجاوَز ‏حسابات الربح والخسارة التقليدية. ‏

ــ كما كشَف الصراع الحالي أن القوة العسكرية وحدها لم تعُدْ كافية لحسْم ‏الصراعات في القرن الواحد والعشرين؛ فالسيادة الرقمية، والقدرة على ‏تعطيل سلاسل الإمداد، وتماسُك الجبهة الداخلية، هي الأسلحة الحقيقية ‏التي سترسم ملامح الشرق الأوسط الجديد، الذي تتصارع فيه قوى متعددة.‏

ــ كما صار إضعاف الدولة لا يعني بالضرورة إسقاطها؛ بل قد يؤدِّي أحيانًا ‏إلى تعزيز تماسُكها الداخلي في مواجهة التهديد الخارجي. وفي الحالة ‏الإيرانية، وبالرغم من رجعية الخطاب الذي يقدمونه، والذي تجسَّد في بيان ‏‏(مجتبي) الأخير، بدا النظام قادرًا على امتصاص الصدمة، والحفاظ على ‏أدواته الأمنية للسيطرة، وبما يمارِس من مراوغَات في المفاوَضات.‏

ــ تبدَّى أيضًا انهيار هيبة القُطب الواحد؛ بمعنى أن الحرب لم تعزِّز الهيمنة ‏الأمريكية؛ بل كشفَت عن تآكلها. فعندما تعجز القوة العُظمى عن حماية ‏ممرَّات مائية دولية أمام “مسيَّرات منخفضة التكلفة”؛ فإن “هيبة القُطب ‏الواحد” تتصدع.‏

ــ كما تكشَّف الواقع الآن عن أننا لا نعيش ولادة نظام “متعدِّد الأقطاب” ‏بالمعنى التقليدي؛ بل “نظام الأقطاب المتداخِلة”؛ حيث تمتلك القوى ‏الإقليمية (مثل إيران أو تركيا أو السعودية) قُدرة على تعطيل استراتيجيات ‏القوى العظمى، وفرْض أجنداتها الخاصة، فنحن نشهد ولادة “كتلة أوربية ‏أسيوية” (روسيا، الصين، إيران) تثبت أن عهد القُطب الواحد قد انتهى. مع ‏ملاحظة أن هزيمة أمريكا عسكريًّا ليست هدف هذه القوى؛ بل إحراجها ‏تكنولوجيًّا وسياسيًّا أمام العالم، وهو ما تحقَّق عبْر استمرار هذه الحرب.‏

ــ كما أظهرت هذه الحرب أن السيطرة على نقاط الاختناق العالمية مثل ‏‏(مضيق هرمز) يمكن أن تعوِّض جزئيًّا عن التفوق العسكري للخِصم، ‏طالما تعلَّق الأمر باحتباس الطاقة. قد تمتلك واشنطن النظام المالي ‏العالمي، لكن بعض الدول – بحُكم الجغرافيا – تمتلك القدرة على التأثير، ‏بما تعود آثاره على الاقتصاد العالمي.‏

ــ أظهرت هذه الحرب أيضًا تربُّص الأقطاب بعضهم بالآخَر، فبالنسبة ‏لروسيا الحرب في الشرق الأوسط تُعد نِصف نصْر في أوكرانيا. وبالنسبة ‏لواشنطن، يستنزف هذا الصراع مواردها، إضافة لانعكاسات شخصية ‏دونالد ترامب، وضَعْف قُدرته على بناء التحالفات، نظرًا لانطلاقه من ‏الهيمنة لا الشراكة، وهو ما أظهر تآكل الدعم الدولي في اللحظات ‏الحرجة، فغياب التنسيق المسبَق، وتحميل الحلفاء في أوروبا تبعات القرار، ‏أدَّى إلى تآكل الثقة، وهو ما قد تكون له انعكاسات طويلة المدى على بنْية ‏التحالفات الغربية، التي تشكلت تاريخيًّا على أساس التشاور والالتزام ‏المتبادَل.‏

فالقوة العسكرية، في غياب إطار سياسي، تصبح أداة بلا اتجاه، وقد تؤدي ‏إلى نتائج عكسية إذا لم تُستخدَم ضمْن تصوُّر استراتيجي متكامل. كما ‏ذكَر “لورانس فريدمان” خبير الحرب البريطاني.‏

وأحسب أننا في مواجهة عدد من السيناريوهات التي تحدِّد مصير هذه ‏الحرب:‏

الأول: الانتهاء بـ”صفقة كبرى” تفرضها الضرورة. ولن يكون حسمًا عسكريًّا ‏بقدْر ما هو حسْم سياسي يُجبِر إيران على تحجيم نفوذها الإقليمي، ووقْف ‏التخصيب العالي مقابل ضمانات بقاء النظام، ورفْع العقوبات الشامل. وقد ‏تفضِّل واشنطن هذا السيناريو للخروج من “المستنقع” والتفرغ للصين.‏

السيناريو الثاني: الحرب التي لا تنتهي؛ أي بقاء حالة لا حرب ولا سِلم؛ ‏وضربات متبادَلة تحت سقْف احتمالية الانفجار الشامل في أية لحظة.‏

ويخدم هذا السيناريو “روسيا” بالدرجة الأولى، حيث يظَل الجرح الأمريكي ‏نازفًا في الشرق الأوسط، وتظَل أسعار الطاقة مرتفعة، بينما تغرق المنطقة ‏في حالة من التراجع الاقتصادي، التي تمنع أيَّ مشروع تنموي عربي كبير ‏من الاكتمال.‏

أما السيناريو الثالث فهو: “الانفجار الكبير وإعادة الترسيم” (سيناريو ‏الفوضى الخلاقة)، حيث انزلاق الطرفين لتصعيد كبير، يؤدي لتدمير البنية ‏التحتية النفطية في الخليج وإيران، وتغيير جذري في خرائط النفوذ.‏

ولو حدث هذا السيناريو؛ فسيؤدي إلى “سايكس بيكو ثانية”، حيث تتقسم ‏مناطق النفوذ بين قوى إقليمية (تركيا، إسرائيل، وقوى عربية) لملء الفراغ ‏الذي سيتركه انكفاء الدور الإيراني أو الانسحاب الأمريكي الاضطراري.‏

ولا زلت أرى أن شرعية الحرب في واشنطن ترتبط بـسعر البنزين، ووقت ‏صناديق الاقتراع. فالقدرة على التحمل ليست عسكرية فقط؛ واشنطن قد ‏تخسر الحرب “سياسيًّا” داخل الكونغرس، قبل أن تخسرها “عسكريًّا” في ‏الميدان. كما ترتبط الشرعية في طهران بسرديات التاريخ وإعادة الأمجاد ‏والقبضة الأمنية. وقد تخسر إيران الحرب “اجتماعيًّا” بانفجار الداخل، ‏نتيجة الجوع، قبْل سقوط جبهاتها العسكرية.‏

ولعل السؤال الذي يفرض ذاته على دول الإقليم، الذي نعيش تداعيات ‏صراعات القوى والأقطاب فيه، وتطُولنا بشكل أو بآخَر، كيف بإمكان دول ‏المنطقة، والجموع، التعايُش مع تلك المتغيرات العالمية؟ ‏

فلقد أثبتت الحرب أن التفوُّق العسكريَّ التقليدي لم يعُد كافيًا أمام ردْع ‏المسيَّرات منخفضة التكلفة، وهنا تبرز التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ‏وضرورة تأسيس منظومة تعليمية تكنولوجية متطورة.‏

كما أن الأولوية القصوى في المرحلة القادمة لتأمين البنية التحتية الحيوية ‏‏(طاقة، تحلية مياه، شبكات رقمية) ضد الهجمات السيبرانية و”خلايا ‏المسيَّرات النائمة”.‏

وتجنُّب التحول إلى ساحة “تصفية حسابات” بين القوى الكبرى، مع ‏الاستعداد لسيناريو “عالم ما بعد الهيمنة الأمريكية” عبْر تنويع الشراكات ‏الأمنية والمالية.‏

لم تعد الحروب مواجهات مباشرة بين البشر كما في التاريخ، لكن آثارها ‏المدمرة لم تزَلْ تطال الإنسان بشكل أو بآخَر وتهدِّد أمنه ووجوده.‏

المصدر: المصري اليوم