ــ لماذا يرى الرجل- بالرغم من حصوله على قدر من العلم والثقافة، واشتغاله بمنظومة العدالة والحقوق البشرية- أن قتل طليقته التى تزوجت مرة أخرى أمر يمكن التفكير فيه وتنفيذه؟ لقد رأى الزوج السابق أن قتلها أفضل من حياتها وهى زوجه لغيره، بالرغم من أنه تزوج قبلها من أخرى!!
ــ ولماذا يرى بعض الرجال الآخرين- سواء الذين على قدر من التعليم، أو من محدودى الثقافة- أن من حقهم إذا رفضت المرأة استكمال خطبتها له، أو إتمام الزواج منه، معاقبتها بالقتل أحيانا، أو الضرب والإهانة فى أحايين كثيرة، كما تشويه السمعة دائمًا؟
– ما المانع أن ترفض فتاة فى مصر أو العراق أو الأردن أو الجزائر أو أى بلد عربى الزواج من ابن عمها، أو أى رجل اختاره لها أهلها، ولماذا تُرغم على الزواج ممن لا تريد؟ هل لهذا الكائن «المرأة» فى الثقافة العربية حق الاختيار؟ وإذا حاولت الهرب من مصير لا تريده، لماذا يحق لهم قتلها، وادعاء أنهم تخلصوا منها تحت ما يسمى «جرائم الشرف»؟
– لماذا تتوالى الصفعات على وجه فتاة من شاب لا علاقة له بها؟ أليس من حقها أن ترفض أن يسبها بأقذر الألفاظ والعبارات، وأن تعلن رفضها الإساءة لها ولكرامتها بأى شكل؟
– لماذا يرى بعض الرجال أن من حقهم أن يقرروا كل شىء بحياة المرأة، متى تتكلم ومتى تصمت، ماذا ترتدى، تعمل أو لا تعمل، بمن تتزوج، والكثير الذى يمس كيانها ورغباتها وإرادتها هى، لماذا يحق لهم ما يدعونه بحقهم فى تأديبها بالإهانة، والضرب، والحبس أحيانًا؟
ما أوردته ببداية هذا المقال ليست حالات افتراضية، بل وقائع تحدث كل يوم، ونراها على شاشات الهواتف ووسائط التواصل الاجتماعى والمواقع، حتى صارت مسلسلًا داميًا عنيفًا تُعرض حلقاته بتنويعات مختلفة كل حين. وهنا أطرح التساءل: معكم هل نتقدم، هل نسير فى الزمن، أم أننا لم نفارق بدائيتنا، ولماذا؟
١- «لكل امرأة تريد أن تعرف» قصة واقعية حدثت منذ زمن..
أحسب أن السبب الحقيقى لنُجيب عن الأسئلة السابقة يكمن فى لفظ وتجليات (الملكية)، فى شعور الرجل بملكيته للمرأة، فمنذ أقدم السرديات ترسخ فى أفق الرجل الذهنى، فى عمقه السحيق، الذى تحول مع الوقت للوعى الجمعى العام، أن المرأة خُلقت من أجله، حيث رددت السرديات القديمة، وغذت منذ الأزل- بغض النظر عن مرحلة زمنية صغيرة كانت المرأة فيها هى الآلهة- هذا الشعور بالملكية، فبمجرد تكرار أن حواء خُلقت من ضلع آدم، وأنه حين ملّ من الحياة فى الجنة، خلقها الرب لتؤنس وحشته، وتقوم بتسليته، ثم الإنجاب له، وخدمته، ترسخ لدى الجميع هذا الادعاء.
٢- المصيبة الكبرى أن النساء قد صدقن!!
لقد صدق المجتمع (الرجال والنساء) هذه الأساطير، واستقرت هذه الأوهام فى الوعى الجمعى العام، ثم استكملت الهيمنة الذكورية اشتغالاتها بمنظومة ثقافية مكتملة من المقولات والممارسات والأمثال الشعبية، والأغانى والقصص، لنسج وحبك هذه السرديات، وكررتها كثيرًا، ورسختها لتأتى مرحلة استقرارها بالأديان، أى بالمقدس، وبالطبع كل ما يلصق بالمقدس يحق له أن يتبع، فاكتسبت تلك السرديات حصانة، وسمت الحقائق.
ثم استمرت وتوالت منظومة التعتيم على المرأة لصالح هيمنة الرجل تحت احترازات كثيرة لأهداف التحكم بها، فمنعت من التعليم والقراءة والكتابة لفترات طويلة فى التاريخ، والمرأة التى كانت تحاول الخروج عن هذه القيود، كانوا يحرقونها، ويصفونها بالساحرة أو المهرطقة، فبثوا الرعب فى قلوب النساء، كما منعت من الاختلاط؛ ليحافظ الرجل على خصوصية ما يملك، ومنعت بالطبع من أى عمل مستقل، أو مؤسسى، لكن لأن منظومة استخدام واستغلال ما يملك الرجل كانت قائمة على الدوام فى الوعى الذكورى الاحتكارى، تركها تعمل بالزراعة والرعى فى نطاقه الخاص، أى أن منع عمل المرأة لم يكن مبدأ مطلقا، لأجل راحتها مثلًا، أو لطبيعتها البيولوجية، بل كان انتقائيًا، ودون أجر، فهو فى نطاق الأسرة.
ومن المهم للغاية وضع عدة خطوط تحت أنه «دون أجر»، فليس من الطبيعى لكى تستمر منظومة الهيمنة أن تملك المرأة، ولا أن تتحرر اقتصاديًا.
واستمرت حياكة ونسج منظومة «الحط من الشأن والقيمة» بصور متعددة، أولاها ادعاء أن المرأة كائن عاطفى ومتردد، ضعيفة، لا تستطيع تولى المهام ولا الأمور العظمى، حيث لعن الله قومًا ولوا أمورهم امرأة، ثم قرروا أنه من التنزيل أنها لا تستحق إلا نصف ما يأخذ الرجل من الميراث، لتظل ضمن منظومة التبعية بصور مختلفة، فإن لم يكن للأب فللأخ، أو للزوج أو الابن، أو لأخى الزوج، وهكذا دائرة واسعة من استحقاقات الملكية. ناهيك عن منعها من الوصاية على أولادها حال وفاة الزوج، حيث تذهب الوصاية للجد من الأب أو العم.
نعاود القص، من ضمن المحاور التى تحويها منظومة «الحط من الشأن والقيمة» إنها كذوب لا تَصدق، أو عاطفية مشوشة، «أى أنه من السهولة أن يؤثر عليها أحد» ولذا تتساوى شهادة امرأتين برجل واحد. ستقول لى امرأة الآن، وهى تقرأ هذه السطور، بالفعل كما تقولين، فالكثيرات من النساء هكذا، عاطفيات ومشوشات، لا تستطيع التركيز كالرجل.
لأقول لها: نعم الكثيرات هكذا، أوافقك الرأى. لكن مع مراعاة السياق التاريخى العام «فهكذا أرادوا لها»، بمعنى أنهم «الهيمنة الذكورية» شكلوها على هذا النحو، دجنوها على أن تكون هكذا، لكنها بالطبع وكما يقول العلم الطبيعى والعلوم الإنسانية لم تُخلق على هذا النحو.
ما استوجب استمرار وضع يد الرجال على النساء وتحكمهم فى مصائرهن، ودعم وترسيخ العادات والتقاليد الاجتماعية التى تم توارثها على مر قرون قبل الأديان، ربط هذه الهيمنة الذكورية السابقة بمنظومة المقدس التى جاءت مع نزول الأديان، ومن خلال بعض النصوص أو بسلطة النص، أى من خلال تفسير بعض الرجال للنصوص الدينية، وهم فى الحقيقة لم يعدموا لى عنق النصوص ومنطق الأشياء والحقوق البشرية، أقروا منظومة الهيمنة على جنس النساء.
هذه الآلة الجهنمية تضافرت فيها سلطة المجتمعات مع سلطة المقدس، مع السلطات السياسية، التى ترأسها فى العموم رجال، لترضخ المرأة ويتملكها اليأس، منظومة متكاملة من السلطات تحالفت لتهيمن على نصف المجتمع وتشرعن استضعافه والهيمنة عليه، هنا تصورت الكثيرات من النساء أنه هكذا الوجود والنواميس، هكذا أراد الله، وأرادت العادات والتقاليد والمجتمعات، هكذا أراد الجميع، لكن حاشا لله أن يقر أى ظلم لأى من خلقه. ونستكمل فى المقال القادم.
المصدر: المصري اليوم
