هندسة الوهم وتزيينه: ‏ كيف صنعَت “الجموع” سردية التفوُّق الذكوري؟

آراء

     اعتقدتْ بعضُ الحضارات القديمة مثل: المايا والأزتيك، وبعض القبائل ‏الاسكندنافية، والحضارات الأسيوية، بأن عليها – لتسترضي البحر الثائر ‏الغاضب، الذي يشح بخيرات صيده – أن تهدي له “فتاة”، بِكرًا جميلة؛ وكانوا ‏يزيِّنون هذه الفكرة للنساء؛ ليرضخن بأنهم يهَبُوا للبحر – مصدر رزْقهم – أغلى ‏وأطهر ما لديهم. لم يقدِّموا للبحر أو الأنهار “فتًى”؛ لأن الفتى (قوة عمل)، ‏ستخرُج للصيد، ومجابَهة الأهوال. هكذا أخرَجوا الموقِف؛ لتتقبَّل المرأة التضحية ‏والموت.‏

     لكن خلفية اختيار القربان تعود لكون الفتاة كيانًا غير منتِج، لن تقوم بعمل ‏الرجُل، ولن تقاوم. هل كان للفتاة أن تعترض، وإذا اعترضت؛ هل كان هناك مَن ‏سيستمع إليها؟ الجموع قرَّرت هذا واتفقت عليه.‏

     ‏ أن تتفق الجموع على قصة أو سردية واحدة، تلك هي أكبر قوة في الحياة، وهذا ‏هو القانون السِّري، الذي شُيدت به الأنظمة الاجتماعية، والأيديولوجيات، وأعتى ‏الإمبراطوريات، فالتاريخ الإنساني لا يخضع للقوة المادية وحدها؛ بل يخضع ‏بالدرجة الأولى للقوة، التي تكتسبها الأفكار حين تصدِّقها الجموع، وتُزيَّن لهم.‏

     ومن رَحِم هذه الآلية تحديدًا، وُلدت واحدة من أطول السرديات عمرًا، وأكثرها ‏تجذُّرًا في الوعي البشري: ألا وهي سردية التفوُّق والهَيمنة الذكورية. إنها القِصة ‏التي تحوَّل فيها “الوهم” – عبْر تراكُم القرون – إلى “حقيقة بيولوجية واجتماعية”، ‏تُبذَل دونها الأرواح.‏

     تحوَّل “الوهم” – الذي فرَضه الرجُل، وزيَّنه للنساء، وأخضعهن له – إلى نسيج ‏محكَم في وعي الحشود (وما أدراكم بصخب طوفان وعي الحشود أو القطعان ‏وقوته!) وتحوَّل تفوُّق الرجُل إلى “حقيقة مؤسَّسية” عبْر التاريخ، فحتى الآن لم ‏نَزَلْ نسمع من بعض الرجال بعض مقولات (أرسطو) من الحضارة اليونانية، الذي ‏قال: “إن المرأة بمثابة ذَكَر مشوَّه، والمشورة التي تقدِّمها النساء مشورة تفتقِر إلى ‏الأهلية”. ومن قبْله مقولات (شمشي أدد الأول) من قبْل الميلاد، مؤسِّس ‏الإمبراطورية الآشورية، التي تنتقص من المرأة وقدراتها العقلية، كما يردِّد الكثير ‏من الرجال حتى الآن مقولة: “شورة المرأة – إن أصابت – بخراب سَنة”.‏

     كما استُخدم الدِّين والاقتصاد كأدوات لترسيخ بناء هذا الوعي الجمعي، الذي يضَع ‏المرأة في المكانة والقِيمة الأدنى، الهامشية في الحياة، التي يمكن استبدالها ‏بسهولة.‏

‏1ــ لم تكُن الهَيمنة الذكورية لتستقِر وتكتسب مشروعيتها المطْلَقة، لو بقيت مجرد ‏صراع قوة بدنية بين جنسَين؛ لذا كان لا بد لها من “غطاء سماوي” أو “سردية ‏كبرى” تمنحها طابَع الحتمية والقداسة.‏

     وهنا، وظَّفت العقول الأبوية المتوارَثة – عبْر التاريخ – نصوصَ الأديان، ‏والتفاسير المرافِقة لها بصورة انتقائية؛ لتشييد هذا الجدار ودَعْمه، فاستقرت ‏السرديات الدينية كجدار حماية؛ أيْ أن الجموع شيَّدوا جدران سرديات التفوُّق ‏الذكوري، ثم أضفَوا عليها القدَاسة في الأديان كلها، سواء سماوية أو أرضية.‏

     ولقد أُعيد إنتاج القصص التأسيسية في الأديان (مثل قصة الخلْق وخروج آدم من ‏الجنة) لتُصوَّر المرأة على أنها “تابع”، أو خُلِقت لتسلية آدم، كما ذكرتُ في المقال ‏السابق، وحرصوا على أن تكون المرأة سببَ الغواية والضَّعف البشري الأول؛ أيْ ‏وضْعها في المساحة القلِقة؛ لتُنسَب لها الخطيئة متى حدثت، ومن ثم يبرَّر أن ‏يقع عليها العقاب الأكبر، ويجد الرجُل مخرَجًا.‏

     كما تحوَّلت بعض النصوص التشريعية أو التأويلية – التي نزلت في سياقات ‏تاريخية واجتماعية معيَّنة، وحالات فردية – إلى قوانين عابرة للزمان والمكان، ‏تفرِض على المرأة التبعية لـ “صاحب القوامة” أو “الوصي”.‏

     وبفعل “قوة الإيمان الجماعي”، توارثت الجموع (بما في ذلك النساء أنفسهن) هذه ‏التفسيرات، ليس كآراء بشرية خاضعة للنَّقْد؛ بل كإرادة إلهية مطْلَقة. فأصبح الدفاع ‏عن دونية المرأة وتبعيتها دفاعًا عن الدِّين نفسه، وتحوَّل الوهم الثقافي إلى فرْض ‏عقائدي.‏

‏2. ثم كان الفخ الاقتصادي، وتحويل التبعية إلى “شرْط بقاء”، وإذا كان الدِّين قد ‏منَح السردية مشروعيتها الروحية؛ فإن البنْية الاقتصادية – التي اختارها الرجُل – ‏جسَّدت الأداة التنفيذية، التي جعلت الهَيمنة واقعًا معاشًا، لا يمكن الفكاك منه، ‏حيث أدركت المنظومة الأبوية مبكرًا أن السيطرة على العقل لا تكفي، ما لم ترتبط ‏بالسيطرة على “قوت اليوم”، على الاحتياج للمادة. لذا، تم التخطيط لهندسة الواقع ‏الاقتصادي لإقصاء المرأة بشكل ممنهَج؛ فتَمَّ عزْل المرأة عن الإنتاج المستقِل ‏لقرون طويلة، وحُرمت المرأة من حق المِلْكية، أو الإرث العادل، أو إدارة الأموال ‏بذاتها، وجُعلت مساهمتها محصورة في “العمل المنزلي غير المدفوع” أو الزراعة، ‏الذي لا يُترجَم إلى قوة سياسية أو اجتماعية. وحتى لحظتنا تلك أعرف الكثيرات ‏من النساء يعملن ويمتلِكن؛ لكن الجموع روَّضَتْهن بألا يتخِذن قرارًا دون الرجل، ‏فتَظَل المرأة رغم حريتها الظاهرة في حاجة إلى مساعدة في اتخاذ قرار يخُصُّها ‏هي، وتلك جريمة أخرى صنعتها سُلطة ثقافة الجموع الأبوية، حين أفقَدَت المرأةَ ‏ثِقتها في صواب حُكْمها وقُدرتها على اتخاذ القرار.‏

    كما تَمَّ تصدير فكرة أن الرجُل هو “الرازق والمغدِق الوحيد”، وبالتالي تحوَّلت ‏التبعية الاقتصادية للمرأة إلى “أمر طبيعي” يضمن لها الحماية. في المقابل، ‏أصبح هذا الإنفاق مبرِّرًا شرعيًّا واجتماعيًّا للتحكم في خياراتها، وتحديد مساحات ‏حرَكتها، وحتى فرْض الوصاية على جسَدها وعقْلها.‏

     خلال الأيام الماضية، وقت عيد الأضحى، اشترت زوجةٌ أضحيةً من مالها ‏الخاص، فباع الزوج الأضحية دون عِلمها، وأخذ نقودها، ثم قتَلها بعد مشاجرات ‏نشَبَت بينهما؛ لخروجها عن طاعته، وتصرُّفها المستقِل، حتى لو في أصغر ‏المواقف.‏

     وحتى مع خروج المرأة المعاصِرة للعمل، ما زالت السردية الجماعية تحارِبها ‏بفجوات الأجْر، وإقصائها من مراكز صُنع القرار الاقتصادي، ليبقى التفوُّق المالي ‏‏- وبالتالي السلْطوي – في يد الذَّكَر.‏

     ولا يَقُلْ لي قائل إنني أناقش ظواهرَ قد تلاشت؛ فبالعودة إلى الإحصاءات ‏والبيانات؛ وجدت اتساعًا ملحوظًا في فجوة الأجْر، وتحقق العدالة الاقتصادية بين ‏الجنسَين، ففي التقديرات المتداوَلة، بلَغَت نسبة الفجوة بين أجور النساء والرجال ‏في القطاع الخاص 37.7%، وفي القطاع العام 20%، أما ما يتعلَّق بمعدَّلات ‏البَطالة؛ فالنساء 17.1% أما الرجال 4.2%، وترجِع الأبحاث هذه الظواهرَ لعدم ‏تمكين النساء من المناصِب العُليا، والانشغال بعملهن غير مدفوع الأجر في ‏البيت، وبالتالي يظَل القرار في يد الرجال.‏

     وهذا هو البيت الزجاجي الذي يبدو مثاليًّا، فلطالما سمعنا فيه أصواتًا تحسد المرأة ‏على ما نالَتْه من مكتسَبات وحقوق، وهو في الحقيقة بيتٌ هَشٌّ، لم تَزَلْ أصوات ‏الجموع هي من تصِفه، في محاولة لتزييف حقائقه. ‏

     ‏”نحن مَن نهَب القوة للأفكار” ونصنع القيمة والتقديس لمعاني وقضايا، لو عاوَدنا ‏تفكيكها؛ لوجدنا تجنُّبها للعدالة، والتي هي مظَلة يتعيَّن عليها أن تحمي الجنسَين ‏في النوع البشري.‏

     مفتاح الحل في إدراك أن سردية الهيمنة الذكورية ليست قدَرًا بيولوجيًّا؛ بل “بنْية ‏وهمية” تواطأ العالَم على تصديقها، حتى باتت تبدو كالجبال الراسخة. هذه القوة لم ‏تستمدها المنظومة من أصالتها؛ بل من الثقة التي تنشأ بيننا وبين الآخَرين، في ‏مجموعة ما بقيمة ما تصوَّرنا أنه حقيقة. هذا التواطؤ الذي ينشأ من التوافُق ‏المجتمعي، وقِدَمه، من أن تُضفَى عليها القداسة الدينية، من أن تُعضَّد ببنْية ‏اقتصادية، من مسْح أذهان النساء وترويضهن على القبول بالظُّلم، وتزينه لعقولهن ‏بالكثير من المبرِّرات التي تنتقص من حرياتهن وكرامتهن في الحقيقة.‏

     الحل حين تتوقف الجموع – وفي مقدِّمتها النساء – عن تغذية هذا الوهم بالقبول ‏والتسليم، وحين تُفكَّك السرديات الدينية المزيفة، وتُستعاد الاستقلالية الاقتصادية؛ ‏وقتها سيكتشف البناء الأبويُّ فجأة أنه مجرَّد قلْعة من وَرَق، شُيدت في عقولنا ‏فقط. الهيمنة بدأت بـ “قصة”، ولا يمكن تقويضها إلا بصياغة “سردية جديدة”، تقوم ‏على العدالة، والشراكة الكاملة، والتحرُّر الاقتصادي للمرأة.‏

المصدر: المصري اليوم