بارانويا وطنية

آراء

خاص لـ هات بوست:

استعداء الدول والشعوب ليس من الوطنية في شيء! فالترصّد لكل كلمةٍ ولكل منشورٍ، وتحويره للوصول إلى استنتاجٍ مسبّقٍ في ذهن صاحبه، ليس فطنةً ولا ذكاءً.

نعم، هناك كارهون ومضلِّلون وخبثاء، لكن البعض يصل به الأمر إلى مرحلةٍ سامةٍ من التوجّس والوهم. ومنصاتُ التواصل الاجتماعي بيئةٌ خصبةٌ لمثل هذا السلوك!

فالمُشاهَد أن البعض غارقٌ في حالةٍ من السخط المستمر وتخوين الآخرين، مما يُفقد الخطاب العام عقلانيته، فيغدو عبئًا على المجتمع بدلًا من أن يكون حائط صدٍّ له.

     إن الوعي الفكري الناضج يعني الفهم العميق للواقع والتحديات، مع الحفاظ على الاتزان النفسي والعقلاني. أما تحويل كل كلمةٍ أو موقفٍ عابرٍ إلى “مؤامرةٍ” ونيّةٍ مبيّتةٍ للإساءة، فهو هدرٌ للطاقات، واستنزافٌ للجهد الوطني في جبهاتٍ وهميةٍ لا طائل منها. يحدث هذا عندما يدخل الشخص إلى منصات التواصل بحكمٍ مسبَقٍ مفاده “أنه مستهدَفٌ وأن الآخر عدوٌّ بشكلٍ أو بآخر”، مما يجعله فريسةً سهلةً للانحياز التأكيدي، وما يرافقه من حساسيةٍ مفرطةٍ، فيعمد إلى ليّ أعناق النصوص والمنشورات لتعزيز ظنونه وتأكيد ذلك الحكم.

    إن استعداء الآخرين بسبب زلة لسانٍ هنا أو منشورٍ هناك يضر بالروابط والمصالح المشتركة التي تجمعنا دولًا وشعوبًا. والعقلانية تقتضي استيعاب الاختلافات والخلافات، وردّ الإساءة أو التضليل بالحجة، كما تتطلب الترفّع والتغاضي الذكي، لا تضخيم الصغائر وإطلاق الأحكام العامة وصناعة أعداء وهميين.

     وهذا لا يعني، بأي حالٍ من الأحوال، التهوين من خطورة الحسابات المغرِضة والمضلِّلة والمعادية، لكن عندما ينقلب الحذر إلى “بارانويا” تشكك في الجميع – حتى أولئك الذين قد يخونهم التعبير أو تلتبس عليهم الحقائق – تتحول أداة الدفاع حينها إلى عبءٍ يُنهك العقل ويشوّه الخطاب العام.

     من ناحية أخرى، فإن الهوس بالتفتيش في الصدور والنيّات يمتدّ غالبًا إلى الداخل، فيبدأ أصحاب هذا الهوس بالترصّد لأبناء وطنهم، إما بمحاولة توجيههم وفرض الوصاية الفكرية عليهم، وإما بالتضييق عليهم ومحاكمتهم بناءً على قراءاتهم الانطباعية، مما يخلق حساسياتٍ تُضعف اللحمة الوطنية من حيث يظنون أنهم يحمونها.

     الوطنية الحقّة مسالِمة وذات بأس، غير أنها ليست عدائية، إذ تملك الموضوعية والقدرة على التمييز بين الخبث الحقيقي الذي يتطلب الرد والحزم، وبين الهفوات أو الآراء المختلفة التي تتطلب قراءةً متأنيةً، وحكمًا متّزنًا – ومتفهّمًا أحيانًا – من ناحية، وترفّعًا وتغاضيًا من ناحيةٍ أخرى.

     في النهاية، يظل الالتزام بنهج الدولة في تعاطيها مع الأحداث والأزمات، ومع الدول والشعوب هو المقياسُ المرجعيُّ الذي نقيس عليه مواقفنا وردود أفعالنا، إذ لا يستقيم أن يكون الخطاب الرسمي عقلانيًا وإيجابيًّا تجاه طرفٍ ما، ثم تندفع حساباتٌ على منصات التواصل للطعن في نواياه وإعلانه عدوًّا مترصِّدًا!

وآخِرُ القول:

القيادة هي البوصلة، والعدوّ هو من تعلنه الدولة عدوًّا.