الأوديسة: القيادة بوصفها رحلة نحو الذات

آراء

خاص لـ هات بوست: 

     ليست هذه قراءة نقدية لفيلم الأوديسة للمخرج كريستوفر نولان، بقدر ما هي تأمل في الكيفية التي لا تزال بها ملحمة كُتبت قبل ما يقارب ثلاثة آلاف عام قادرة على مخاطبة جمهور اليوم، ولماذا استطاعت، رغم امتدادها إلى نحو مئة وستين دقيقة، أن تستحوذ على انتباه جمهور شاب حتى اللحظة الأخيرة. ففي زمن أصبحت فيه القدرة على التركيز لفترات طويلة أكثر صعوبة، لا سيما لدى الأجيال التي نشأت في ظل منصات البث، ومقاطع الفيديو القصيرة، ووسائل التواصل الاجتماعي، يحقق الفيلم إنجازاً نادراً؛ إذ يعيد هوميروس إلى الحاضر، ويمنحه لغةً يفهمها الجيل الجديد دون أن ينتقص من جلال النص الأصلي.

     ويكمن جانب مهم من هذا النجاح في السيناريو نفسه. فعلى خلاف كثير من الاقتباسات السينمائية للأعمال التاريخية والكلاسيكية التي تلجأ إلى لغة إنجليزية بريطانية قديمة، فتخلق مسافة غير ضرورية بين النص والمتلقي الشاب، يختار الأوديسة لغة معاصرة وسلسة، تحافظ في الوقت نفسه على العمق الفلسفي والهيبة الأدبية للملحمة. وهكذا ينجح الفيلم في إعادة تقديم الأسئلة الإنسانية والأخلاقية التي تحملها الأوديسة بلغة أقرب إلى أذن الجيل الجديد.

     وبالنسبة إليّ، وقد درست الأوديسة بوصفها نصاً أدبياً، لم تكن مشاهدة الفيلم مجرد متابعة لعمل سينمائي، بل كانت فرصة للعودة إلى واحدة من النصوص المؤسسة للحضارة الغربية من منظور ثقافي معاصر. فما يبقى حياً في هذه الملحمة هو قدرتها على طرح أسئلة ما زالت تشغل الإنسان حتى اليوم: أسئلة القيادة، والشرعية، والذاكرة، والمسؤولية، والأسرة، والبحث الدائم عن الهوية.

يبحث تليماخوس عن أبيه، بينما يبحث أوديسيوس عن نفسه.

     وأعتقد أن هذه الجملة تختزل المركز الفلسفي للملحمة، كما للفيلم أيضاً. ففي الوقت الذي يخوض فيه الابن رحلة بحث عن الأب الذي شكّل غيابه ملامح حياته، يخوض الأب رحلة أشد صعوبة، تتمثل في استعادة الإنسان الذي أصبح جديراً مرة أخرى بالعودة إلى بيته، وأسرته، وعرشه.

     فإذا كان أوديسيوس يقضي رحلته في إعادة اكتشاف الإنسان الذي ينبغي أن يكون، فإن تليماخوس يقضي رحلته في اكتشاف الإنسان الذي لم يصبح بعد. وهكذا تتوالى الرحلتان، بوصفهما مرحلتين مختلفتين من مراحل القيادة؛ إحداهما عودة إلى المسؤولية الأخلاقية بعد أهوال الحرب، والأخرى طقس عبور إلى الرجولة في ظل إرث أبٍ يكاد حضوره الأسطوري يطغى على كل شيء.

     لا يرث تليماخوس مملكة، بل يرث غياباً. وقبل أن يرث عرش أبيه، عليه أولاً أن يواجه ثقل ذلك الإرث. وبينما يحاصر الانتهازيون قصر إيثاكا ويستغلون الفراغ السياسي الذي خلّفه غياب أوديسيوس، يصل الابن إلى لحظته الفاصلة عندما يقرر التوقف عن الانتظار. خروجه للبحث عن أبيه ليس مجرد تعبير عن الوفاء البنوي، بل هو أول قرار يتخذه بوصفه قائداً مستقبلياً. القيادة تبدأ عندما يختار الإنسان الفعل بدلاً من الاستسلام.

     ومن هنا، تصبح رحلته أقل بحثاً عن الأب، وأكثر تعلماً لمعنى الملك. ففي كل محطة، وفي كل اختبار، يدرك أن القيادة لا تقوم على النسب فحسب، بل أيضاً على الحكمة، والشجاعة، والذاكرة، وتحمل المسؤولية. وكل خطوة يبتعد بها عن إيثاكا، هي في الوقت نفسه خطوة يبتعد بها عن الطفولة.

     أما أوديسيوس، فيسير في الاتجاه المعاكس. فعلى الرغم من كونه بطلاً منتصراً في طروادة، يكتشف تدريجياً أن النصر وحده لا يصنع قائداً. فالحرب تلاحقه، ليس فقط بما خلفته من خسائر، وإنما لأنها تجبره على مواجهة نتائج عبقريته، وطموحه، وكبريائه. ومن ثم، لا تصبح العودة إلى إيثاكا رحلة جغرافية فحسب، بل رحلة أخلاقية أيضاً؛ إذ لا يغدو الوطن غاية إلا بعد أن يصبح الإنسان جديراً بالعودة إليه.

     ويضع الفيلم المسؤولية الإنسانية في مرتبة تسبق الاتكال السلبي على تدخل الآلهة. ويتجلى ذلك في المقولة التي يرددها أوديسيوس، ومفادها أن الآلهة لا تنقذ إلا من يسعون إلى إنقاذ أنفسهم. وهي ليست دعوة إلى إنكار الإيمان، بقدر ما هي تأكيد على قيمة الإرادة الإنسانية. فالآلهة قد ترشد أو تحذر أو تتدخل، لكنها لا تعفي الإنسان من مسؤولية قراراته.

     ويتجسد هذا المعنى بأوضح صوره في مشهد حوريات البحر. إذ يأمر أوديسيوس رجاله بأن يسدوا آذانهم بالشمع، بينما يطلب منهم أن يقيدوه إلى سارية السفينة حتى يتمكن وحده من سماع الغناء. والأهم من ذلك أنه يأمرهم بألا يطلقوا سراحه مهما توسل إليهم بعد أن يقع تحت تأثير الإغواء. وفي هذا المشهد يكشف أوديسيوس عن إحدى أسمى صفات القيادة؛ فهو يدرك حدود قدرته على مقاومة الإغراء، ولا يدّعي العصمة. ولذلك يضع منظومة تحميه وتحمي من يقودهم من ضعفٍ يعرف أنه قد يصيبه. وبلغة العصر، يمكن وصف ذلك بأنه نموذج للمساءلة الذاتية؛ أما في لغة الملحمة، فهو حكمة لا تولد إلا من رحم المعاناة.

حين يلتقي الأب والابن أخيراً، لا يكون أي منهما هو الشخص الذي بدأ الرحلة.

     لقاؤهما ليس إنقاذاً لأمير عاجز، ولا عودة منتصرة لملك لا يُنازع، بل هو لقاء رجلين خضع كل منهما لتحول مختلف ومتكامل في آن واحد. فلم يعد تليماخوس بحاجة إلى من يقوده دون تفكير، ولم يعد أوديسيوس يقود بقوة اسمه وحدها. ومن خلال نضالهما المشترك، لا تُستعاد الأسرة فحسب، بل تُستعاد أيضاً الشرعية الأخلاقية التي تقوم عليها إيثاكا.

     ولهذا، ينبغي ألا يُقرأ القضاء على الخُطّاب بوصفه مجرد انتقام، بل باعتباره استعادة للعدالة بعد سنوات من الفوضى السياسية والأخلاقية. ففي وقوف تليماخوس إلى جانب أبيه في تلك المواجهة، يتلقى درسه الأخير في القيادة؛ وهو أن السلطة لا تكتسب معناها إلا عندما توظف في خدمة المسؤولية، والعدالة، والصالح العام.

     أما المشاهد الأخيرة، فتشير إلى أن الحكاية لا تنتهي بعودة أوديسيوس. فإذا كانت رحلته قد أوشكت على الاكتمال، فإن رحلة أخرى تبدأ في اللحظة نفسها. يدخل تليماخوس مرحلة الرجولة وقد أصبح أكثر إدراكاً لمعنى القيادة، وترى بينيلوبي النظام الذي حافظت عليه بقوة الصبر لديها وقد استعاد توازنه، بينما يدرك أوديسيوس أخيراً أن إيثاكا لم تكن مجرد مكان يعود إليه.

لقد كان عليه أولاً أن يصبح الرجل الجدير بالعودة إليها.

     ولعل هذا هو سر استمرار الأوديسة في مخاطبة البشر عبر ثلاثة آلاف عام. فكل جيل يجد نفسه في إحدى رحلاتها؛ منهم من لا يزال يبحث عمن سبقه، ومنهم من لا يزال يبحث عن نفسه. وتذكرنا الملحمة بأن القيادة لا تورث فقط بالدم، ولا تضمنها الانتصارات، وإنما تُكتسب بالأخلاق، و تترسخ بتحمل المسؤولية، وتتجدد بالاستعداد الدائم للتعلم، حتى بعد أن تضع الحروب أوزارها.