خاص لـ هات بوست:
كتبتُ مؤخرًا مقالاً عن واحد من تناقضات عصرنا: لم يعد البقاء على اتصال هو المشكلة؛ بل لعل التحدي الحقيقي أصبح أن نحافظ على إنسانيتنا ونحن متصلون إلكترونيًا. فالإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لم تكتفِ بتسهيل الوصول إلى بعضنا بعضًا، بل جعلا هذا الوصول شبه دائم؛ حتى صرنا نعرف الكثير عن الآخرين من دون أن نسألهم، ونطمئن إلى أخبارهم من دون أن نسمع أصواتهم، ونشاهد أيامهم من دون أن نكون جزءًا حقيقيًا منها.
كان سؤالي هناك عن التواصل الإنساني في زمن الاتصال الدائم. أما ما يشغلني هنا فهو الوجه الآخر للسؤال، وربما وجهه الأكثر حميمية: ماذا يحدث عندما نقترب أكثر مما ينبغي؟ وماذا يحدث للحب حين تصبح إمكانية الوصول إلى الآخر متاحة طوال الوقت؟
فإذا كنا قد احتجنا إلى استعادة التواصل الحقيقي بعدما أغرقتنا وسائل الاتصال، فربما نحتاج أيضًا إلى استعادة شيء آخر كدنا نفقده: المسافة.
لا المسافة التي تعني الغياب، ولا تلك التي نصنعها عقابًا أو تلاعبًا أو هروبًا، بل المسافة الآمنة التي تسمح لشخصين بأن يقتربا من دون أن يذوب أحدهما في الآخر؛ أن يتواصلا بحرية من دون أن يتحول التواصل إلى مراقبة، وأن يعيشا الحميمية من دون أن تصبح الحميمية حقًا غير مشروط في الدخول إلى كل مساحة خاصة لدى الآخر.
والغريب في الأمر أنّ فكرة المسافة الآمنة خطرت لي حينما كنت أرتّب بيتي.
حين لا أكون على ما يرام، أرتّب الأشياء.
لا أعرف متى بدأت هذه العادة تحديدًا، لكنني أعرف أثرها جيدًا. أعيد الكتب إلى أماكنها، أرتّب الأطباق، أزيح ما تراكم فوق طاولة المطبخ، أعدّل موضع لوحة، أو أعيد غرضًا صغيرًا إلى مكان ربما لا يعرف أحد سواي أنه مكانه. شيء ما في استعادة النظام من حولي يعينني على استعادة شيء من النظام في داخلي.
كتبتُ في قصيدة حديثة، بعد ليلة لم أكن قد نجوت منها تمامًا:
كلّ غرض يعود
إلى مكانه
أفضّل أن أترك
مسافة صغيرة بين
الشيء والشيء
لا أحبّ اكتظاظ
الأشياء
دائمًا مسافة صغيرة
بين الشيء والشيء
دائمًا
إلا قليلًا
ولم أنتبه، وأنا أكتبها، إلى أنني ربما لم أكن أتحدث عن الأشياء وحدها.
لطالما أحببت في ترتيب الأشياء أن يكون لكل منها حضوره المستقل. لا أحب ازدحامها فوق الأسطح، ولا تلاصق الكتب أو قطع الزينة لمجرد ملء فراغ. أحتاج إلى مساحة حول الشيء كي أراه. وربما لهذا أميل في فهمي للجمال إلى ذلك التصور الإغريقي القديم القائم على التناسب والتناغم والاتزان؛ لا الكمال بالضرورة، وإنما علاقة الأجزاء بعضها ببعض، بحيث يحتفظ كل جزء بوجوده المستقل، بينما يشارك في تكوين الكل.
فالفراغ بين شيئين ليس دائمًا مساحة ضائعة. أحيانًا يكون جزءًا من جمالهما. وربما ينطبق الأمر نفسه على الحب.
نتحدث كثيرًا عن القرب بوصفه دليلًا على نجاح العلاقات، ونادرًا ما نتحدث عن المسافة التي يحتاجها هذا القرب كي يظل ممكنًا. كأنّ الحب، كلّما ازداد، كان عليه أن يقتحم المسافات كلّها: أن أعرف أين أنت، وماذا تفعل، وفيم تفكر، ولماذا صمتَّ، ولماذا تأخرت، وماذا حدث لك، بل وأن أعرف كل ذلك أحيانًا قبل أن تسنح لك فرصة أن تحكيه لي.
لكن هل الحميمية فعلًا هي أن تزول المسافة بين شخصين؟
أم أن شيئًا منها يجب أن يبقى؟
لا أتحدث هنا عن الغموض المتعمّد، ولا عن ألعاب العلاقات الساذجة التي تقول بأن نختفي قليلًا حتى يفتقدنا الآخر. ولا أتحدث عن البرود أو الانسحاب أو حجب المشاعر.
أتحدث عن شيء أبسط، وربما أصعب: أن يبقى لكلّ منا مكانه، حتى ونحن نقترب.
أن أحبك دون أن أفترض أن لي حقّ معرفة كلّ مكنوناتك. أن أعرف الكثير عنك دون أن يتحول ما لا أعرفه إلى أمر مقلق. أن يكون لك يوم لا أشارك في كل تفاصيله، ثم تعود إليّ ومعك هدية حكاية أو “خبزاً” طيّبًا نتقاسمه في جلسة فضفضة حقيقيّة . وأن تكون لي، أنا أيضًا، تجربة أعيشها أولًا مع نفسي، قبل أن أقدمها لك في رسالة أو صورة أو تسجيل صوتي.
فهذه المسافة ليست انقطاعًا في التواصل، وإنما ربما هي التي تجعل التواصل حرًا في المقام الأول. ثمة فارق بين أن أحكي لك لأنني أريد أن أشاركك، وأن أحكي لأنني أشعر أن عليّ أن أقدّم تقريرًا. بين أن أسألك لأنني مهتمّ بك، وأن أسألك لأن عدم معرفتي بما تفعل يربكني. وبين أن يكون قربك اختيارًا يتجدد، وأن يصبح حضورك واجبًا دائمًا لا يحقّ لك الانسحاب منه ولو قليلًا. وهنا تحديدًا تدخل التكنولوجيا إلى العلاقة.
فهي لم تجعل التواصل أسرع فحسب، بل ألغت كثيرًا من الفواصل الطبيعية التي كانت تفصل بين لقاء وآخر، وحديث وآخر. كان هناك، في زمن ليس ببعيد، شيء اسمه: سأحكي لك حين أراك. كان يمكن لشيء أن يحدث في العاشرة صباحًا، وأن يظل ملك صاحبه حتى المساء. يعيش التجربة، ويفكّر فيها، وربما يعيد فهمها، ثم يأتي بها إلى من يحبّ على هيئة حكاية. وكان في ذلك انتظار صغير وفضول صغير واشتياق صغير أيضًا.
أما الآن، فقد نعرف الكثير قبل أن يُحكى لنا شيء. نرى الصورة، والمكان، والطعام، والأغنية، والرحلة، وربما الحالة المزاجية أيضًا. نعرف أن الرسالة وصلت، وأنها قُرئت، وأن صاحبها كان متصلًا منذ دقائق. وإذا لم تصلنا المعلومة التي اعتدنا وصولها، فقد يتحول غيابها نفسه إلى سؤال:
لماذا لم تخبرني؟
لماذا لم تجب؟
كنت متصلًا.
رأيت أنك نشرت صورة.
متى أصبح الوصول إلى الآخر حقًا مكتسبًا باسم الحب؟
ومتى أصبح عدم المعرفة، ولو لساعات، أمرًا يحتاج إلى تفسير؟
لعل أخطر ما خسرناه هنا ليس الغموض. فالحب، في رأيي، لا يحتاج إلى الغموض المصطنع كي يبقى حيًا. ما خسرناه، أو كدنا، هو الفضول. أن أتساءل عنك دون أن أقلق منك. أن أشتاق إلى سماع حكاية لم أشاهدها مسبقًا على شاشة. أن أكتشف فيك شيئًا لم أعرفه بعد، حتى بعد سنوات من المعرفة.
وأن أقبل، قبل كل ذلك ربما، أنك ستظل شخصًا آخر مهما أحببتك.
فالآخر الذي نحبه ليس امتدادًا لنا. وليس مشروعًا ننجزه حتى نعرف كل تفاصيله. هناك جزء منه سيظل يتشكل بعيدًا عن أعيننا: فكرة لم يقلها بعد، ذكرى لا يعرف كيف يحكيها، لحظة يحتاج إلى أن يعيشها وحده، أو حتى صمت لا يحمل رسالة خفيّة ينبغي لنا فكّ شفرتها.
وربما نحتاج نحن أيضًا إلى هذه المسافة عن الآخر كي لا نفقد فضولنا تجاه أنفسنا.
فإذا أرسلنا كل فكرة لحظة ولادتها، وشاركنا كلّ شعور قبل أن نفهمه، وصوّرنا كل تجربة قبل أن نعيشها، فمتى نجلس مع أنفسنا؟ ومتى نعرف ماذا تعني لنا الأشياء قبل أن نفكر في الطريقة التي سنحكيها بها لمن نحب؟
ليست المسافة، إذن، نقيض الحميمية. قد تكون أحد شروطها. ولعلّ بعض المسافة لا يحفظ استقلالنا داخل الحبّ فحسب، بل يحفظ للحبّ نفسه شيئًا من الرغبة في الاقتراب.
فالمسافة الآمنة لا تقول: ابتعد عني. بل تقول: ابقَ أنت، كي أستطيع أن أقترب منك.
وربما لهذا أترك، دون أن أفكر كثيرًا، تلك المسافات الصغيرة بين الأشياء في بيتي. أحتاج إلى أن أرى كل شيء كاملًا في مكانه، له حدوده وحضوره، دون أن يطغى شيء على شيء.
ومع ذلك، أعرف أن الحب ليس معرضًا مرتبًا، وأننا لا ننجح دائمًا، وربما لا نريد دائمًا، في احترام كل الحدود التي نرسمها لأنفسنا. بل لعل أجمل ما فيه أن هناك شخصًا نسمح له، أحيانًا، بأن يقترب أكثر مما تسمح به قواعدنا. أن يعبر تلك المسافة. أن يزيح شيئًا من مكانه. أن يترك أثره في المساحة التي حرصنا طويلًا على إبقائها خالية.
لهذا ما زلت أحبّ أن أترك:
مسافة صغيرة بين الشيء والشيء.
دائمًا.
إلا قليلًا.
