«حديث العرب».. الفكرة هي الجائزة

آراء

قبل سنوات كتبت في صحيفة “الاتحاد” الإماراتية مقالاً بعنوان (حديث العرب.. ومهمة التنوير)، لم أكن يومها أكتب مراجعة لبرنامج تلفزيوني.

ولم يكن الأمر مجاملة لزميل صحفي أقدّر تجربته، وإنما كنت أكتب عن فكرة بدت لي منذ ذلك الوقت جديرة بالدفاع عنها هي أن تكون الشاشة العربية مساحة لتحرير العقل، لا مجرد منصة لتكديس الأخبار فوق الأخبار، وأن يستعيد الإعلام شيئاً من وظيفته التاريخية في صناعة الوعي وإثارة السؤال، بعدما استهلكت منطقتنا عقوداً طويلة في صناعة الإجابات الجاهزة.

تذكرت ذلك المقال وأنا أتابع حصول برنامج “حديث العرب”، الذي يقدمه الزميل الصحفي الدكتور سليمان الهتلان، على جائزة أفضل برنامج ثقافي ضمن جائزة الإعلام العربي في دبي، تكريم مستحق لتجربة امتدت سنوات، لكنه بالنسبة إليّ يحمل معنى أكبر من جائزة تضاف إلى سجل برنامج ناجح؛ إنه انتصار صغير وضروري للفكرة في زمن الضجيج، وللسؤال في زمن الإجابات السريعة، وللعقل في عالم أخذ يفقد شيئاً فشيئاً رسالته التنويرية.

لقد تابعت “حديث العرب” طويلاً وكتبت عنه أكثر من مرة، لأنني وجدته واحداً من منابع التفكير السياسي والفكري في المنطقة، سليمان الهتلان لا يبحث في برنامجه عن السؤال الذي يشعل ضجيج المساء ثم يموت في الصباح، وإنما يذهب إلى المناطق الأكثر صعوبة بالدين والفلسفة والتاريخ والهوية والسياسة، وما تراكم في العقل العربي من مسلمات تحتاج إلى من يزيح عنها غبار اليقين ويعيدها إلى طاولة السؤال.

أتذكر حواراً حول مفهوم (اليمننة)، قد تبدو الكلمة للوهلة الأولى شأناً يمنياً ضيقاً، لكنها في عمقها تفتح سؤالاً هائلاً عن الهوية السياسية وعلاقة الإنسان بالجغرافيا والتاريخ، بالنسبة إلى الجنوب العربي، يصبح السؤال أكثر تعقيداً، فهويات جنوب الجزيرة العربية تمتلك إرثاً تاريخياً عميقاً ومفهوماً للاستقلال جعل علاقتها باليمننة السياسية موضع نقاش ممتد، والسؤال هنا ليس حدوداً وخرائط فقط، وإنما: من يصنع هوية المكان، التاريخ أم السياسة؟، وهل تستطيع هوية سياسية أن تلغي ذاكرة جغرافيا كاملة؟.

لم يكن ضرورياً أن أتفق مع كل ما قيل في ذلك الحوار. الأهم أن الحلقة انتهت ولم ينته السؤال، وهذه تحديداً وظيفة الإعلام التنويري.

التنوير ليس نقل الإنسان من إجابة جاهزة إلى إجابة جاهزة أخرى، ولا استبدال وصاية فكرية بوصاية مختلفة، التنوير أن تعيد للإنسان حقه في السؤال والمراجعة، وأن تفتح له النافذة ثم تترك له حرية النظر منها، فالفكرة التي تحتاج إلى حارس يمنع عنها الأسئلة تخشى العقل، والحقيقة التي تنهار أمام المناقشة لم تكن راسخة كما تخيل أصحابها.

وهنا لا يمكن فصل نجاح “حديث العرب” عن اهتمام “سكاي نيوز عربية” بهذه النوعية من البرامج الفكرية، ففي عالم إعلامي تكاد تبتلع فيه سرعة الخبر قيمة المعرفة، يصبح تخصيص مساحة للفلسفة والفكر والتاريخ والثقافة رسالة كبرى في حد ذاتها، أن تراهن مؤسسة إخبارية على العقل في زمن تراهن فيه منصات كثيرة على الانفعال، وأن تمنح المفكر وقتاً ليشرح فكرته بدلاً من اختزالها في ثوانٍ، فذلك ليس مجرد قرار في خريطة برامج؛ إنه تعبير عن فهم أعمق لوظيفة الإعلام.

وهذا مما يستحق الإشادة في تجربة سكاي نيوز عربية، فالشبكة التي تخبر مشاهدها بما يحدث في العالم تحتاج أيضاً إلى أن تمنحه الأدوات التي تساعده على فهم هذا العالم، الخبر يخبرنا أن حرباً اندلعت، أما الفكر فيسأل عن الأفكار والهويات والتراكمات التي صنعت الحرب، الخبر يرصد سقوط دولة، والفكر يعود إلى الأعماق باحثاً عن اللحظة التي بدأ فيها سقوطها قبل أن تنهار مؤسساتها.

عندما كتبت قبل سنوات عن “مهمة التنوير” كنت منشغلاً بما فعلته عقود من خطاب الصحوة في العقل العربي، وكيف جرى التضييق على الفلسفة والنقد العقلي، اليوم أرى المهمة أوسع، تحرير العقل لا يقتصر على مواجهة التطرف الديني؛ فهناك تطرف سياسي وهوياتي، وهناك سرديات تاريخية تحولت بفعل التكرار إلى مسلمات يصعب الاقتراب منها، ومهمة الإعلام ليست أن يهدمها أو يتبناها، وإنما أن يعيدها إلى السؤال.

لهذا تحمل جائزة “حديث العرب” في دبي رمزية تتجاوز البرنامج ومقدمه، ففي عاصمة عربية صنعت جزءاً من نجاحها عبر الجرأة على التفكير في المستقبل، يجري تكريم برنامج راهن طويلاً على قيمة التفكير نفسه، وفي ذلك رسالة تستحق التوقف، العالم العربي لا يحتاج إلى مزيد من الشاشات فقط، وإنما إلى مزيد من النوافذ.

قبل سنوات كتبت عن “حديث العرب” ومهمة التنوير، واليوم أعود إليه لأجد أن المهمة لم تنتهِ، وربما أصبحت أكثر إلحاحاً، فالبرامج العادية تنتهي عندما تنطفئ الشاشة، أما البرامج التي تضيء شيئاً في العقل فإنها تبدأ بعد انطفائها.

وهذه، في تقديري، أجمل جائزة حصل عليها “حديث العرب”، وأجمل رسالة يمكن أن تحملها شاشة اختارت أن تمنح العقل مكانه.

المصدر: العين الإخبارية