العالم العربي… من إدارة العلاقات إلى صناعة المصالح

آراء

في عالم يعاد فيه تشكيل موازين القوّة لم تعد العلاقات الدولية تُقاس بعدد الزيارات الرسمية أو البيانات المشتركة، بل بحجم المصالح التي تنتجها وقدرتها على تعزيز موقع الدولة وحماية مستقبلها. فالقوة اليوم لا تعني فقط ما تملكه الدول من موارد إنما قدرتها على تحويل هذه الموارد وعلاقاتها الدولية إلى نفوذ وشراكات مستدامة.

وهنا يبرز درس استراتيجي مهم للعالم العربي، وهو أن العلاقات الجيدة ضرورية لكن المصالح المتبادلة هي التي تمنحها الاستدامة والقدرة على الصمود أمام الأزمات.

لقد تغير مفهوم التحالفات؛ فالدول قد تختلف سياسياً وتتفق اقتصادياً وتتنافس في ملف وتتعاون في آخر. ولم يعد النجاح مرتبطاً بالتطابق الكامل في المواقف بل بالقدرة على اكتشاف مساحات المصالح المشتركة وتحويلها إلى تجارة واستثمار وتكنولوجيا ومعرفة وأمن اقتصادي.

وتقدم الإمارات نموذجاً مهماً في هذا المجال، فقد نجحت في بناء شبكة متنوعة من العلاقات والشراكات الدولية انطلاقاً من قراءة واقعية للمصلحة الوطنية وسياسة تقوم على استباق التحولات وبناء علاقات طويلة الأمد مع القوى المؤثرة.

والعلاقة الإماراتية – الألمانية مثال واضح؛ فألمانيا تمتلك ثقلاً صناعياً ومعرفياً وتكنولوجياً فيما استطاعت الإمارات تحويل موقعها ومواردها ورؤيتها إلى مركز عالمي للتجارة والاستثمار والطاقة والخدمات اللوجستية؛ وعندما تتكامل عناصر القوة تتحول العلاقة من تبادل للمنافع الآنية إلى استثمار مشترك في المستقبل.

وهذا ما يحتاج العالم العربي إلى البناء عليه؛ فالمنطقة تمتلك الطاقة ورؤوس الأموال والموقع الجغرافي والأسواق والطاقات البشرية، لكنها تحتاج إلى تحويلها إلى شبكة مصالح دولية تمتد إلى آسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا اللاتينية، خصوصاً في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والطاقة والأمن الغذائي والصناعات المتقدمة.

4 توصيات للتحالفات المقبلة

من هنا، يمكن صوغ أربع توصيات للمرحلة المقبلة للتحالفات في العالم العربي: أولاً، تنويع التحالفات وعدم الارتهان لمحور دولي واحد؛ ثانياً، ربط السياسة الخارجية بأهداف اقتصادية وتكنولوجية ومعرفية قابلة للقياس؛ ثالثاً، تحويل الزيارات والاتفاقيات إلى مشاريع واستثمارات وشراكات طويلة الأمد؛ ورابعاً، بناء المصالح مع القوى الصاعدة وأسواق المستقبل قبل أن تتحول إليها المنافسة العالمية.

فالزيارة الرسمية الناجحة ليست التي تنتهي بتوقيع الاتفاقيات، بل التي يمكن بعد سنوات قياس ما أنتجته من استثمارات وأسواق وتكنولوجيا ونفوذ. وفي عالم المصالح ربما تكون المعادلة الأهم للعالم العربي هي أن لا تبحث فقط عن الحلفاء، بل ابنِ المصالح التي تصنع الحلفاء، لأن أفضل شراكة هي التي تجعل استقرارك وازدهارك جزءاً من مصلحة الآخرين.

المصدر: النهار