في زمن التواصل … أين الإنسان؟

آراء

خاص لـ هات بوست : 

لم يعد البقاء على اتصال هو المشكلة في عصرنا؛ بل أعتقد أن التحدي الحقيقي هو أن نحافظ على انسانيتنا ونحن متصلون إلكترونيا.

     لا شك أن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي جعلا إيقاع حياتنا أسرع. فنحن متصلون على الدوام، حتى حين لا نحمل الهاتف المحمول أو أي جهاز إلكتروني آخر بأيدينا: إشعارات الرسائل، ورسائل البريد الإلكتروني في ساعات متأخرة من الليل، والأخبار العاجلة، وإعلانات أعياد الميلاد، و إشعارات الوفاة، وكل ما يقع بين هذا وذاك. ثمة دائمًا شيء يصل، وشيء يستدعي انتباهنا، وشيء يذكّرنا بأن حدثًا ما يجري في مكان ما من دوننا.

     أعتقد أن الخوف من ألا نكون متصلين طوال الوقت ينبع مما أحب أن أسمّيه “الكرّ أو الفرّ الرقمي”. فقد طوّرنا حاجة تكاد تكون غريزية إلى البقاء حاضرين في العالم الرقمي: أن نتفقد، ونرد، وننشر، ونتفاعل، ونمرّر الشاشات، ونتأكد من أننا لم نفوّت شيئًا. لقد أصبح النشر المستمر إحدى وسائلنا الأساسية للتواصل مع العالم، لكنه لا يمنحنا بالضرورة إجابة حقيقية عن أبسط الأسئلة الإنسانية: كيف أنا حقًا؟ وكيف حال الآخر حقًا؟

     كتب أحد كتّابي المفضلين، أشرف العشماوي، سلسلة من الروايات القصيرة بعنوان “مواليد حديقة الحيوان”، تصوّر، بأشكال مختلفة، خداع الصورة ولعل هذا الخداع لا يتجلى اليوم في مكان بوضوح كما يتجلى على الإنترنت. فنحن نظهر في أفضل حالاتنا، ونأكل أفضل الطعام، ونزور أفضل الأماكن، ونلتقط الصورة التي تُظهر أفضل زوايانا، ثم ننتقي اللحظة الأكثر استحقاقًا للعرض. حتى الإنجاز نفسه تحوّل تدريجيًا إلى واجهة نضغط أمامها زر “الإعجاب” على وسائل التواصل الاجتماعي. وأحيانًا، لم يعد كافيًا أن نعيش التجربة؛ بل بات ينبغي أيضًا أن يراها الآخر.

ومع ذلك، تغيّر التواصل الإنساني نفسه.

“أوه! ظننت أنك رأيت الستوري التي نشرتها قبل قليل!”

كم مرة سمعنا هذه الجملة، أو قلناها بأنفسنا؟

     صرنا نعرف عن بعضنا أكثر، بينما نسأل عن بعضنا أقل. نفترض أن أصدقاءنا يعرفون أين كنا، وكيف نشعر، وماذا احتفلنا به، وأحيانًا حتى ما الذي فقدناه، لمجرد أننا نشرناه. وهم، بدورهم، يتوقعون منا أن نعرف عنهم الشيء نفسه. شيئًا فشيئًا، يحل البث محل الحكي، وتحل المشاهدة محل السؤال. وما يبدو تواصلًا دائمًا قد يتحول تدريجيًا إلى حلقة رقمية مفرغة، يكون فيها الجميع ظاهرين، فيما يتناقص عدد أولئك الذين يشعرون بأن أحدًا يراهم حقًا.

     تحمل هذه الظاهرة معها قدرًا كبيرًا من نفاد الصبر، وحاجة ملحّة إلى أن نكون “مرئيين” باستمرار على الإنترنت، ووحدة اجتماعية هائلة. ولعل إحدى مفارقات عصرنا أن الوحدة لم تعد بالضرورة ناتجة عن غياب التواصل؛ فقد توجد وسط وفرة من الاتصال تفتقر إلى الحميمية.

     أبحث أحيانًا عن مكان هادئ أقرأ أو أكتب فيه. وإن لم يكن مكاني المفضل في المنزل، فقد يكون “النادي الاجتماعي” داخل النادي الرياضي الذي أرتاده عادةً لأتواصل فعلًا مع الآخرين، أو ببساطة لأراقب محيطي كما هو، بلا فلاتر ولا صور مثالية.

     ومما يثير دهشتي أنني، في معظم الأحيان، أجد الزائرين الأصغر سنًا جالسين خلف حواسيبهم المحمولة، يضعون سماعات عازلة للضوضاء، يحتلون بأجسادهم مساحة اجتماعية بينما يكادون يكونون معزولين عنها تمامًا. وفي المقابل، أجد الأكبر سنًا، ولا سيما الرجال منهم، ممسكين بهواتفهم للاطمئنان على قريب بعيد، أو لسؤال صديق قديم عمّا يطبخه للعشاء.

     من الصعب ألا نلحظ المفارقة. فالتكنولوجيا ذاتها تستطيع أن تعزلنا عمّن يجلس على بعد خطوات قليلة منا، كما تستطيع أن تصلنا بمن تفصلنا عنه أميال. ولعل الفارق لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، بل فيما نطلب منها أن تفعله من أجلنا.

     أما ما يثير قلقي على نحو خاص، فهو تلك اللحظة التي نصبح فيها عاجزين، على المستوى الإنساني، عن التواصل الاجتماعي خارج البيئة الرقمية؛ حين تبدو المحادثة أكثر مشقة من تبادل الرسائل، وحين يبدو السؤال غير ضروري لأننا “رأينا الستوري” بالفعل، وحين يصبح مجرد الجلوس مع إنسان آخر، من دون توثيق اللحظة، أمرًا غير مألوف.

ومع ذلك، فهذه ليست دعوة إلى حظر وسائل التواصل الاجتماعي أو الإنترنت. لا سمح الله؛ فكيف كنت سأوصل أفكاري لو اختفى الإنترنت فجأة؟

     إنها دعوة إلى أن نضع لتواصلنا الرقمي مرساة. أن نحمي ذلك الخط الدقيق الفاصل بين الصورة والحقيقة. أن نتعامل مع الوقت بوصفه عنصرًا حقيقيًا يستحق الرعاية والانتباه. أن نتذكر أن معرفتنا بما نشره شخص ما لا تعني بالضرورة أننا نعرف كيف حاله. وأن ندرك أن الظهور ليس هو أن يرانا أحد حقًا، وأن الاتصال لا يعني، بالضرورة، القرب.

لن يكون الإنترنت قادرًا أبدًا على إنقاذنا من جائحة الوحدة التي يعاني منها العالم. ولا ينبغي لنا أصلًا أن نطلب منه ذلك.

     تقع على عاتقنا مسؤولية أن نشق طريقنا في هذا النظام العالمي الجديد من دون أن نتخلى عن إنسانيتنا التي دخلنا بها إليه: أن نستخدم التكنولوجيا من دون أن نسمح لها بأن تحل محل الحضور الإنساني، وأن نبقى متصلين من دون أن يستهلكنا الاتصال، وأن نمتلك الثقة الكافية لنكون على حقيقتنا، والجرأة الكافية لنكون بشرًا بكل ما تحمله إنسانيتنا من هشاشة.

فلعلّ تحدّي عصرنا لم يعد في أن نصل إلى بعضنا بعضًا، بل في ألّا نفقد بعضنا بعضًا وسط كل هذا الاتصال!