كل الأشياء تموت.. أَمْ تُراها تجِفُّ وتنزوي!؟

آراء

     في النفس البشرية قاعاتٌ كبرَى وكهوف ودهاليزُ لا تهدمها الزلازل ‏الفجائية؛ بل تنحتها برودة الأيام والسنوات، وتصهرها الآلام أو الشعور ‏بالظلم؛ فكل الأشياء العظيمة التي نظنها أبدية، وكل الروابط التي نحسبها ‏أُسِّستْ على صخرة الاستمرارية، لتَظَل معنا طيلة الحياة، إنما هي في ‏حقيقتها كائنات حيَّة رقيقة، تتغذَّى على قِيَم الحُب والاحترام والعطاءات، ‏وتتنفس في فضاء التقدير، والابتعاد عن الأنانية، وتذبُل شيئًا فشيئًا حين ‏تُقابَل بسوء المعامَلة وجفاف المشاعر. فالإنسان بطبيعته يلتقط مشاعرَ مَن ‏حوله، ويمتلك رادارًا داخليًّا دقيقًا، يقيس به مسافة الأمان الوجداني؛ وحين ‏يكتشِف أنه يُستنزَف، أو أن وجودَه يُقابَل بالاستخفاف، أو تعمُّد الأذى ‏الموجَّه إليه، تبدأ روحه في الانكماش الهادئ، ويمد المسافاتِ بينه وبين ‏الآخَر؛ لينتصر فيها لكرامته وإنسانيته، ويطوِّع ذاتَه على الانسحاب من ‏ساحة المعركة، محمَّلًا بخساراته الداخلية الصاخبة، التي تزلزِل كيانه، ‏يبتعد ليتحرَّى الحفاظ على ماء وجْهه؛ لتقبُّل خسارة أبدية لا رجْعة فيها.‏

‏1ــ حتى “الأمومة” – أعظم العواطف وأنقاها – تتوارَى

     يتشكَّل حُب الأم لوليدها – في العُرف البشري – كأنه القانون الأبديُّ، ‏الذي لا يستثني شيئًا، فهو الملاذ الأخير، والنبع الذي لا ينضَب من ‏التضحية المطْلقة. غير أن هذا الحُب الأطهرَ، على عظمته وسموِّه، ليس ‏بمعزل عن قانون الروح الكوني. يحدث أن ينكمش ويذبُل حين تُقابَل الأم ‏بالجحود والإهانة، وحين يشعر قلبها بأن عطاءها يُستغَل بلا تقدير، ودون ‏احترام لكرامتها وما تبذُل. لا يُصاب حُب الأم بالسكتة فجأة؛ بل يتسلل إليه ‏الصقيع تدريجيًّا؛ فحين تتكرر خيبات الأمل، وتتحول رعاية الابن أو البنت ‏إلى مصْدر للألم النفسي والامتهان؛ تتراجع تلك العاطفة الجارفة، ويحِل ‏الصمت والانكفاء.‏

     إن عظمة الأمومة أو الأبوَّة لا تعني أبدًا أن ينحَر الأم أو الأبُ كرامتَهما ‏على مذبح الأبوَّة أو البنوَّة العاقة؛ فحين يُهمِل الإنسان مشاعرَ مَن منَحاه ‏الحياة؛ فإنه لا يكسر قلبهما فحسب؛ بل يطفئ شيئًا فشيئًا تلك الشمعةَ ‏المتفانية، التي كانت تضيء له عتمة الدَّرب.‏

     في إحدى السرديات التي صدَرت في أمريكا عام 2003، وتُرجمت إلى ‏العربية، بعنوان “نريد أن نتحدث عن كيفين” للكاتبة: ليونيل شرايفر، ‏أمريكية الجنسية، تدور أحداث المأساة، حوْل أمٍّ تعاني من علاقة معقَّدة ‏ومضطربة مع ابنها “كيفين”، منذ مراحل طفولته الأولى، حيث تلاحِظ عليه ‏سلوكياتٍ عدوانيةً ومضللة، تدلُّ على نزْعة إجرامية، وإيذاء لمَن حوله ‏ولنفسه، وسط تجاهل وتكذيب من الأب. لتتصاعد الأحداث وتوثِّق لصراع ‏الأم الداخلي، وقلقِها المستمر، من خطورة ابنها على المجتمع، إلى أن ‏يرتكب جريمة مروِّعة في إحدى المدارس.‏

     يحاوِل هذا النَّصُّ القول بأن ما يبدو مقدَّسًا، مثل حُب الأم، والذي لا يقارَن ‏بأيِّ حُبٍّ آخَرَ، هذه الرابطة الأبدية بإمكانها أن تتغيَّر مع القسوة والعنف، ‏وتُعَد مثل هذه النصوص الروائية – الصادمة لما اعتادته المجتمعات ‏البشرية – قليلة، بل نادرة؛ لأن لقلب الأم قدرة فائقة على التجدُّد، والتماس ‏الأعذار، لكنها حتمية وجود الشَّر البشري.‏

‏2ــ أعظم قصص العشق تنتهي .. تنزوي في الأيام.‏

     أما في دائرة الهوَى والعشق، تبدو الحكاية أكثر هشاشة وأسرع ذبولًا. ‏فالعشق ليس صَكًّا يمكننا امتلاكه، أو ضمانه بصورة أبدية؛ بل أقرب إلى ‏المرآة المتبادَلة، تلك التي تتغذَّى على الانتباه واللهفة، والشعور بالقُرب ‏والاهتمام. وحين يعتاد أحد الطرفَين على تجاهُل الآخَر، أو يتعامَل معه ‏كحقيقة ثابتة، لا تحتاج إلى جهْد، ولا سقاية مستمرة، وصيانات من مرارات ‏الحياة بأحداثها؛ فإن الروح المنجذِبة تبدأ في رحلة الانسحاب الصامت، ‏والتقوقع على ذاتها، مهما بلَغت درجة عشْقها. فالتجاهُل هو الموت ‏البطيء لكل ارتباط جميل.‏

     تصبح الأيام برَّاقة وممتعة حين تهدي قلوبنا الغرام، لكن حين ينطفئ ‏الشغف؛ لا تنفع بعدها خطاباتُ الندم، ولا دموع الاعتذار؛ لأن الإنسان قد ‏يحتمل العواصف، وقْتها يجِدُ لحبيبه الأعذارَ، ولكنه لا يستطيع العيش ‏طويلًا في صحراء التجافي العاطفي. كما أن الحُب الحقيقيَّ يتطلب يقظة ‏دائمة، ومُراعاة دقيقة للرهَافة، والمشاعِر العميقة، التي لا تُقال أحيانًا، فإذا ‏تحوَّل الطرف الآخَرُ إلى مجرَّد هامشٍ في اهتمامات المحِب؛ انزوَت أجمل ‏العواطف، وهبطت من قِمة عرْش السماء إلى منتهَى الوجع، ثم إلى قاع ‏الإنسان السحيقة، التي تتسرَّب إليها شوائب الحياة.‏

     وتبقى أجمل سرديات الحُب، التي بقيت في ذاكرة الإنسانية، تلك التي لم ‏يكمِل طرفَاها الحياة معًا. نعم نُحِب؛ لكن لا شيء يستمر إلى الأبد، فتلك ‏أحلامنا التي نبدأ بها القصص، التي قد ينتهي بعضُها بالكراهية والنفور.‏

‏3ــ تسقط الشرعية حين لا تتحقق طموحات الشعوب

     وعلى المستوى الأوسع، حيث تتشابَك مصائر الملايين، يصدُق ذات ‏القانون على علاقة الشعوب بالحكام. فالولاء السياسي والتسليم للسُّلطة ‏ليس طاعة عمياء أبدية؛ بل هو تعاقُد ضمْني دقيق، محكوم بالعدالة، ‏وتحقيق طموحات الأمَّة، وتطلُّعاتها المشروعة. فمهما بلغت محبَّة الشعوب ‏لقادتها، ومهما دغدغت الوجدانَ الجمعيَّ، واستطاعت أن توقِظ بداخله ‏الكرامة والعِزة؛ فإنها تنكمِش وتتآكَل حين تتجاهَل السُّلطة هموم الإنسان ‏البسيط، وتعمل فقط على تغذية زعامتها، وإظهارها للمَشهد المحلِّي ‏والإقليمي والعالمي، تتغيَّر أيضًا حين تتعامل مع مقدِّرات الأوطان ‏باستخفاف وغطرسة، فلن ينسى المصريون نتائج حرب اليمن ولا نكسة ‏‏1967، الشعارات ضباب كثيفٌ لا يلبث أن ينكشف حين تواجِهه مقوِّمات ‏الواقع، وسُلطة إمكاناته الموضوعية.‏

    التاريخ البشريُّ شاهِدٌ حيٌّ على أن الشعوب تصبر طويلًا، لكنها إذا شعرت ‏بأن تضحياتِها تذهب هباءً، وبأن كرامتها تُهدَر على عتبات الانفراد بالرأي ‏أو سوء الإدارة، أو تبديد مقوِّمات اقتصادها؛ فإنها تسحب شرعيتها ‏وتتململ، ثم تثور. وحين تنكسر هذه الثقة؛ لا تنفع القوانين الصارمة ولا ‏الخُطب الرنَّانة في ترميم ما أفسَده الجفاء السياسيُّ، وغياب الرؤية؛ فبقاء ‏الأنظمة واستقرارها مرهونٌ برعاية الإنسان وتنمية إمكاناته، وصَون كرامته، ‏لا بمجرد فرْض الولاء بالقوة والترهيب. تحتاج الشعوب أن تشعر بالأمان ‏في المستقبل، ولا يتحقق هذا إلا ببناء جيد للإنسان، وتوافُر منظومة ‏تعليمية جيدة ومتطوِّرة، لضمان درجة عالية من الوعي والثقافة، والشعور ‏بمردود التنمية من المشروعات التي تقف من خلْفها القيادة والدولة بكل ‏مقوِّماتها. الوطن حاضنة كُبرى للإنسان، إذا امتلأ بالمصاعِب، وافتقر ‏للأمان، وشَعَر الفرد فيه بالعوَز، وامتهان الكرامة والقَيد؛ أصبح كيانًا طاردًا ‏لمواطنيه. ‏

    الوجود الإنسانيُّ برُمَّته – بكل ما يضُمه من عواطفَ، وأواصرَ طبيعيةٍ، ‏وعقود اجتماعية – محكوم بحقيقة ساطعة: لا شيء يستمر تلقائيًّا. فكل ما ‏هو جميل وثمين في هذه الحياة بحاجة إلى البذل المستمِر كشرْط للبقاء، ‏وسقاية يومية من الاهتمام، والاحترام، ومُراعاة المشاعر، والتقدير المتبادَل. ‏فالاتكال على الأرصدة القديمة من الحُب أو الولاء وهْمٌ مدمِّر، فمَن لا ‏يبذل الجهد المتجدِّد للحفاظ على ما يحب ويحتاج، كمن يترك أرضَه بلا ‏ماء ولا تنقية من الحشائش الضارة.‏

     وحدها الأفعال الواعية، والذكاء الاجتماعي، والتقدير الصادق، والالتزام ‏الإنسانيُّ العميق بالسعي لإنجاح العلاقات، وتطوير القِيَم والمعاني، التي ‏نشعُر بها، وحدهم هُم من يُبقُون الأشياء العظيمةَ حيَّةً ومزهِرةً، في عالم لا ‏يرحَم المهمِلين، ولا المزيَّفين، ولا الكارهين، ولا يعترف بالأشياء التي تُترَك ‏لتذبُل بمفردها.‏

المصدر: المصري اليوم