كاتبة إماراتية
خاص لـ هات بوست:
هل بالفعل يتغير الأشخاص مع مرور الوقت، حتى نكاد لا نتعرّف إلى النسخة التي أصبحوا عليها؟ أم أننا نحن من تغيّر، فنضج وعينا، واتضحت رؤيتنا، وأصبحنا أكثر إدراكاً لما يتوافق مع قيمنا ومبادئنا وما يتعارض معها؟
قد نعرف أشخاصاً لسنوات طويلة، ونعتقد أننا أصبحنا قادرين على فهم طباعهم وتوقع تصرفاتهم، ثم يأتي موقف واحد يجعلنا نتساءل بدهشة: هل هذا هو الشخص نفسه الذي عرفناه؟ وقد تتغير علاقة كانت يوماً قريبة جداً، أو نشعر فجأة بأن شخصاً اعتدنا وجوده أصبح بعيداً كل البعد عن أفكارنا ومبادئنا. وهنا يبدأ السؤال الأصعب: هل غيّرتهم الحياة، أم كشفت لنا المواقف ما لم نكن نراه من قبل بوضوح؟
لا شك أن الإنسان يتغير وهي حتماً طبيعة بشرية، فالسنوات لا تمر علينا دون أن تترك أثراً. التجارب، والمسؤوليات والنجاحات والإخفاقات والعلاقات والخيبات؛ جميعها قادرة على إعادة تشكيل طريقة تفكير الإنسان ونظرته إلى الحياة والآخرين. وما كان مهماً بالنسبة إليه قبل سنوات قد يصبح اليوم هامشياً، وما كان يتغاضى عنه قد يصبح أمراً لا يستطيع قبوله.
ولكن هل كل اختلاف نراه في أحد الأشخاص يعني أنه بالفعل تغير؟
ربما لا تغيّر المواقف الأشخاص دائماً بقدر ما تكشف جوانب في شخصياتهم لم تتح لنا الظروف سابقاً أن نراها. فهناك صفات لا تظهر في أوقات الراحة، وإنما تكشفها الأزمات والخلافات والمصالح والنجاح والمنافسة والمال والسلطة وحتى انتهاء الحاجة. وكم من شخص اعتقدنا أننا نعرفه جيداً، حتى جاء موقف واحد فأعاد تعريفه في أعيننا بصورة مختلفة تماماً.
لكن قبل أن نضع الآخرين في دائرة الاتهام، ربما علينا أن نطرح سؤالاً أكثر جرأة: ماذا لو كنا نحن من تغيّر؟
مع مرور السنوات ننضج، وتتغير أولوياتنا، ونفهم أنفسنا بصورة أفضل، وتصبح حدودنا أكثر وضوحاً. وقد نتوقف عن قبول أمور كنا نتجاوز عنها في السابق، ليس لأنها لم تكن موجودة، وإنما لأن وعينا آنذاك لم يكن يلتفت إليها، أو لأننا كنا أكثر تسامحاً معها، أو ربما أكثر تعلقاً بأصحابها.
وهنا قد لا يكون الآخر قد أصبح شخصاً مختلفاً، وإنما أصبحنا نحن نراه بصورة مختلفة وأكثر وعياً. فما كان يبدو لنا بسيطاً أصبح مهماً، وما كنا نجد له الأعذار أصبح يتعارض مع قيمنا، وما كنا نصمت عنه أصبحنا اليوم قادرين على وضع حدود واضحة تجاهه.
ومن المهم أيضاً أن نفرّق بين تغير السلوك وتغير المبادئ. فمن الطبيعي أن تتغير اهتمامات الإنسان وأسلوب حياته وأولوياته وبعض قناعاته؛ فهذا جزء من النمو والنضج. لكن الأمر يصبح مختلفاً عندما يمس التغير قيماً أساسية قامت عليها العلاقة من البداية، كالصراحة، والاحترام، والوفاء، وحفظ الود. فالنضج قد يغير طريقة الإنسان في التعامل مع الحياة، لكنه لا يفترض أن يجرّده من القيم التي تحفظ إنسانيته وعلاقاته بالآخرين.
وفي المقابل، ربما نقع نحن أيضاً في خطأ آخر، حين نتمسك بالصورة القديمة للأشخاص. نريد منهم أن يبقوا كما عرفناهم قبل أعوام، ونقيس تصرفاتهم الحالية على ذكرياتنا معهم، متناسين أن الإنسان ليس صورة ثابتة. هم يتغيرون، ونحن نتغير، والظروف التي جمعتنا بهم تتغير أيضاً.
لذلك، ليس كل تغير يستحق العتاب، وليس كل اختلاف يستدعي القطيعة. بعض العلاقات تحتاج إلى تفهّم، وبعضها يحتاج إلى حوار، وبعضها يحتاج إلى إعادة رسم الحدود، وهناك علاقات علينا أن ندرك أنها كانت مناسبة لمرحلة معينة من حياتنا، لكنها لم تعد قادرة على الاستمرار بالصورة نفسها.
والنضج الحقيقي ربما يكمن في ألا نحاول إجبار الآخرين على العودة إلى النسخة التي أحببناها منهم، وألا نجبر أنفسنا في المقابل على التعايش مع نسخة لم تعد تنسجم مع قيمنا ومبادئنا.
نعم، يتغير بعض الأشخاص؛ فالحياة قادرة على إعادة تشكيل الكثير في داخل الإنسان. وبعضهم لا يتغير بقدر ما تكشفه الأيام أمامنا بصورة أوضح. وفي أحيان أخرى، نكون نحن من تغيّر؛ نضجنا، واتسعت رؤيتنا، وأصبحنا أكثر وعياً بأنفسنا وبالآخرين.
لذلك، حين نشعر أن شخصاً لم يعد كما كان، ربما لا يكون السؤال الأهم: «لماذا تغير؟»، وإنما: «ما الذي تغير بيننا؟». فقد تكون الإجابة فيه، وقد تكون فينا، وقد تكون في المسافة التي صنعتها السنوات بين شخصين كانا يوماً ينظران إلى الحياة من الزاوية نفسها.
وفي النهاية، ليس المطلوب أن يبقى الأشخاص كما عرفناهم، بل أن نتعلم كيف نتعامل بوعي مع ما أصبحوا عليه، دون أن نفقد أنفسنا أو نتنازل عن مبادئنا في سبيل الإبقاء على علاقة لم تعد تشبهنا.
القاعدة الذهبية:
لا تحكم على الأشخاص من صورتهم القديمة في ذاكرتك؛ فالأيام تغيّر البعض، وتكشف البعض، وتغيّرك أنت أيضاً.
