د. عائشة الجناحي
د. عائشة الجناحي
كاتبة إماراتية

احتفظ ببعضٍ منك

آراء

خاص لـ هات بوست: 

     تخيّلتُ شخصًا كان يؤمن أن القرب الحقيقي يعني ألا يخفي شيئًا عمّن يحب؛ يحكي تفاصيل يومه، ويشارك أفكاره ومخاوفه وخططه المستقبلية، ويفتح للآخرين أبواب حياته على مصراعيها دون تردد أو انتقاء. كان يظن أن الصراحة الكاملة هي أكبر دليل على المحبة، وأن المسافات، حين يملؤها الغموض، قد تتحول بصمت إلى حواجز لا تراها العين، لكن تشعر بها القلوب.

     ومع مرور الوقت، اكتشف أن بعض ما قاله في لحظة ثقة عاد إليه في لحظة خلاف، وأن بعض أسراره أصبحت حديثًا يعرفه من لم يختر يومًا أن يعرفها، وأن بعض أحلامه التي كان يحتفظ بها بحماس خاص فقدت شيئًا من بريقها وخصوصيتها حين أصبحت متاحة للجميع.

عندها فقط فهم معنى العبارة: لا تختلط بأكملك مع الناس، احتفظ لنفسك ببعضٍ منك.

     ليس المقصود هنا أن نعيش بحذرٍ دائم، أو أن نبني بيننا وبين الآخرين جدرانًا عالية، بل أن ندرك أن للإنسان مساحة داخلية خاصة، وأن حمايتها ليست غموضًا ولا أنانية، وإنما وعيٌ بالحدود التي تحفظ للنفس البشرية توازنها.

     تذكر دائماً أنه ليس كل قريب مؤتمنًا على كل التفاصيل؛ فالعلاقات الإنسانية حتماً درجات. هناك من يستحق أن يعرف جانبًا من حياتنا، وهناك من نثق به أكثر، ولكن حتى أقرب الناس إلينا ليس بالضرورة أن يعر ف كل ما يدور في داخلنا؛ فالقرب لا يعني إلغاء الخصوصية.

     كما أن الإفراط في مشاركة الآخرين تفاصيلنا الخاصة قد يجعلنا أكثر هشاشة. فحين نشارك مخاوفنا وخططنا ومشكلاتنا ونقاط ضعفنا دون حدود، فإننا نضع أجزاء شديدة الخصوصية من أنفسنا في أيدي الآخرين. والمشكلة ليست دائمًا في سوء نياتهم؛ فقد تتغير العلاقات والظروف والمواقف، وما قيل في مساحة ودّ قد يُستدعى لاحقًا في مساحة خلاف.

     حاول قدر المستطاع أن تحتفظ ببعض أحلامك حتى تنضج؛ فليس من الضروري أن نعلن كل فكرة قبل تنفيذها، أو كل هدف قبل الوصول إليه. بعض الأحلام تحتاج إلى هدوء أكثر من حاجتها إلى جمهور؛ لأن كثرة الآراء قد تربك الإنسان، أو تضعف حماسه وإصراره، أو تجعله يعيش شعور الإنجاز قبل أن ينجز فعليًا.

     ولا تجعل قيمتك مرتبطة بمدى معرفة الآخرين بك. أحيانًا نشارك الكثير من تفاصيلنا لأننا نبحث، دون أن نشعر، عن الاهتمام أو القبول أو التعاطف. تذكّر دائمًا أن الإنسان الأكثر تصالحًا مع ذاته لا يشعر بالحاجة إلى أن يشرح نفسه باستمرار، أو يعلن عن كل إنجاز، أو يكشف كل ألم حتى يشعر بأن الآخرين يرونه ويقدّرونه.

     قد نحتاج إلى الناس، ونحبهم، ونثق بهم، ونشاركهم الكثير من تفاصيل حياتنا؛ فتلك طبيعة الإنسان الذي يجد في القرب والمشاركة معنى للألفة. ومع ذلك، يبقى داخل كل إنسان ركن لا ينبغي أن يكون متاحًا للجميع؛ ليس لأنه يخفي سرًا، بل لأنه يحتفظ فيه بشيءٍ من ذاته.

القاعدة الذهبية:

اقترب من الناس بقلبك، لكن لا تسلّمهم مفاتيحك كلها؛ فبعض ما فيك خُلق ليبقى لك.