كاتبة إماراتية
خاص لـ هات بوست:
كانت تتقرّب من عملاء المؤسسة، وتُغدق عليهم عبارات الودّ والاهتمام المبالغ فيه، بينما كانت تُخفي وراء هذا اللطف المصطنع غايةً واحدة، وهي استغلال الآخرين لتحقيق مصالحها الشخصية.
ومع مرور الوقت، بدأ بعض العملاء يتجنّبون التعامل معها، فيما فضّل آخرون التعامل مع مؤسسات أخرى، أو اختيار الأوقات التي يتواجد فيها موظفون آخرون، تفادياً للاحتكاك المباشر بها. وتوالت الشكاوى والإنذارات على مدى سنوات طويلة، لكن دون جدوى، وكأن تلك التحذيرات لم تجد آذاناً صاغية.
وحين بدأت الخسائر تتفاقم، وأخذت المؤسسة تفقد عملاءها المميزين واحداً تلو الآخر، أدركت الإدارة أن استمرار التغاضي عن المشكلة لم يعد خياراً مقبولاً، وأن التدخل أصبح ضرورة لا تحتمل التأجيل.
وهكذا، جاء قرار إنهاء خدماتها بعد سنوات طويلة من العمل، والمفارقة أن رحيلها لم يكن صامتاً، بل أُقيمت لها مأدبة عشاء تكريمية، تقديراً لسنوات خدمتها في المؤسسة.
هذه الحكاية ليست مجرد موقف عابر في بيئة عمل، بل صورة لسلوك قد نصادفه في علاقاتنا الاجتماعية والمهنية؛ حين تختلط المجاملة بالمصلحة، ويتحوّل الاهتمام من قيمة إنسانية إلى وسيلة لاستمالة الآخرين. فبعض الأشخاص يتقنون فن التقرّب، ويجيدون اختيار الكلمات التي تلامس المشاعر، حتى يبدو حضورهم مفعماً بالمودة والحرص على الآخرين، غير أن المواقف المتكررة قد تكشف مع مرور الوقت فجوة واسعة بين ما يقولونه وما يفعلونه.
فالطيبة الحقيقية لا تحتاج إلى استعراض، ولا تتطلب المبالغة في إظهار المشاعر لإثبات وجودها؛ لأنها تنبع من صدق النية، وتنعكس في احترام الآخرين ومراعاة مشاعرهم، حتى في غياب المصالح المشتركة. أما الطيبة الزائفة، فقد تتخذ من الكلمات الجميلة وسيلة لكسب الثقة، ومن الاهتمام المفرط مدخلاً لتحقيق غايات شخصية. وهنا تكمن خطورتها؛ فهي لا تسيء إلى من يقع ضحية الاستغلال فحسب، بل قد تزرع الشك في نفوس الآخرين تجاه مظاهر الودّ الصادقة.
ومن المهم ألا نخلط بين حسن الظن بالناس والتغاضي عن تصرفاتهم. فالثقة قيمة إنسانية نبيلة، لكنها لا تعني تجاهل التناقضات المتكررة بين الأقوال والأفعال. وليس كل من يُكثر من المجاملات صاحب نوايا خفية، كما أن الإنسان الهادئ أو قليل التعبير ليس بالضرورة أقل صدقاً أو محبة. إن الحكم على الآخرين لا ينبغي أن يستند إلى الانطباعات العابرة، بل إلى المواقف المتكررة التي تكشف طبيعة التعامل، ومدى احترام الإنسان لحدود الآخرين وحقوقهم.
ولعل الجانب الأكثر إثارة للتأمل في هذه الحكاية لا يتمثل في سلوك الموظفة وحده، بل في سنوات التغاضي عن الشكاوى المتكررة. فحين تتحول الأخطاء إلى ممارسات مألوفة، ويصبح الصمت عنها أسهل من مواجهتها، فإن المشكلة لا تعود مسؤولية الفرد وحده، بل تمتد إلى البيئة التي سمحت باستمرارها. وقد يُفسَّر التساهل أحياناً على أنه تسامح أو مراعاة لسنوات العِشرة، غير أن التسامح الحقيقي لا يتعارض مع المساءلة، كما أن التقدير لا ينبغي أن يكون مبرراً لتجاهل الضرر الواقع على الآخرين.
وفي العلاقات الإنسانية، كما في بيئات العمل، قد ندفع ثمناً باهظاً حين نؤجل مواجهة السلوكيات السلبية، أملاً في أن تتغير من تلقاء نفسها. فالمشكلة الصغيرة التي لا تجد معالجة واعية قد تتسع آثارها تدريجياً، حتى تتجاوز حدود الشخص المعني لتؤثر في الثقة والسمعة وجودة العلاقات. ولذلك، فإن وضع الحدود الواضحة، وتقديم الملاحظات الصريحة، واتخاذ القرارات العادلة في الوقت المناسب، ليست ممارسات قاسية، بل تعبير عن المسؤولية واحترام حقوق الجميع.
أما المفارقة التي تستحق التأمل، فهي أن سنوات الخدمة الطويلة انتهت بحفل تكريم، رغم ما سبقها من شكاوى وخسائر. ولا يعني ذلك أن التكريم كان بالضرورة قراراً خاطئاً؛ فقد يكون تعبيراً عن احترام سنوات العمل وحفظ الكرامة الإنسانية عند الوداع. لكنه يثير تساؤلاً مهماً: هل يكفي طول البقاء في مكان ما ليكون دليلاً على حسن العطاء؟ وهل تُقاس قيمة الإنسان بعدد السنوات التي قضاها بين الآخرين، أم بطبيعة الأثر الذي تركه في حياتهم؟
إن الإنسان قد يمضي سنوات طويلة في مكان واحد، دون أن يترك وراءه سوى ذكريات ثقيلة، بينما يستطيع آخر خلال فترة قصيرة أن يترك أثراً طيباً لا يُنسى. فالقيمة الحقيقية لا تصنعها الأقدمية وحدها، ولا تمنحها عبارات الثناء والمجاملات، وإنما تؤكدها الأمانة في التعامل، وصدق المواقف، واحترام الآخرين في حضورهم وغيابهم.
وفي نهاية المطاف، تبقى الطيبة من أنبل الصفات الإنسانية، لكنها تفقد جوهرها حين تتحول إلى قناع للمصالح الشخصية. وليس المطلوب أن نعيش في دائرة الشك أو أن نفتش عن النوايا الخفية وراء كل كلمة جميلة، بل أن نمنح الثقة بوعي، ونحكم على السلوك بإنصاف، وندرك أن جمال الكلمات لا يكفي حين تناقضه الأفعال. فالأشخاص لا يُعرفون دائماً بما يُظهرونه من مشاعر، وإنما بما تتركه تصرفاتهم من أثر في نفوس من تعاملوا معهم.
القاعدة الذهبية:
لا تنخدع بفيض الكلمات الجميلة، فصدق الطيبة لا تكشفه المجاملات، بل تثبته المواقف، ويشهد عليه الأثر الذي نتركه في حياة الآخرين.
