كاتبة إماراتية
خاص لـ هات بوست:
لم تكن تتوقع أن تتغير ملامح حياتها بهذه السرعة، وأن تجد نفسها أمام اختبار لم تستعد له يوماً. كانت امرأة تحمل أحلاماً وطموحات، وتسعى إلى بناء مستقبل أفضل لها ولأبنائها، حتى جاء المرض ليغيّر إيقاع حياتها، ويضعها أمام تحديات جسدية ونفسية لم تعهدها من قبل. ولم يكن المرض وحده ما أثقل قلبها، بل ابتعاد بعض الأصدقاء عنها دون أسباب واضحة، وكأن المحن لا تكتفي باختبار قدرتنا على الاحتمال، بل تكشف لنا أيضاً حقيقة بعض العلاقات التي اعتقدنا يوماً أنها ستدوم.
وعلى الرغم من قسوة ما مرت به، لم تدع المرض يحدّد ملامح حياتها، ولا ابتعاد بعض الأشخاص أن يهزّ ثقتها بذاتها أو
ينتقص من عزيمتها على المضي قدماً. اختارت أن تعتني بصحتها جيداً، وتلتزم بعلاجها، وتعيد ترتيب أولوياتها، وأن تواصل رسالتها كأم تمنح أبناءها كل الحب والأمان.
لم تكن قوية في كل لحظة، ولم تخلُ أيامها من الخوف والتعب، لكنها أدركت أن الشجاعة لا تعني غياب الألم، بل القدرة على مواصلة الطريق رغم وجوده.
إن المرض ليس نهاية الطريق، كما أن قسوة الظروف لا تعني انطفاء الأحلام أو استحالة تحقيقها؛ فقد تكون المحن، على صعوبتها، نقطة تحوّل نحو مرحلة أكثر وعياً ونضجاً، نكتشف خلالها في أنفسنا قدرات وطاقات لم نكن ندرك وجودها. فالإيمان بالله، والتمسّك بالأمل، وتبنّي نظرة إيجابية وواقعية للحياة، كلها عوامل تعزّز قوتنا الداخلية، وترفع معنوياتنا، وتمنحنا العزيمة لمواجهة التحديات وتجاوز الصعوبات، إلى جانب الأخذ بالأسباب والاستعانة بالدعم والمساندة عند الحاجة.
ولكن كيف يستطيع الإنسان تجاوز المحن والوصول إلى محطة أكثر اتزاناً وإيجابية؟
تبدأ الخطوة الأولى بتقبّل الواقع دون الاستسلام له؛ فالتقبّل لا يعني الرضا بالألم أو التخلي عن الطموح، وإنما الاعتراف بالتحديات والتعامل معها بوعي. وتأتي بعدها إعادة ترتيب الأولويات، ومنح الصحة الجسدية والنفسية ما تستحقانه من الاهتمام، دون الشعور بالذنب تجاه ما تعذّر إنجازه.
أما الخطوة الثانية، فتتمثل في التحرر من سلطة أحكام الآخرين؛ فليس كل انتقاد حقيقة، ولا كل رأي يستحق أن نمنحه مساحة من تفكيرنا. ومن النضج أن نميّز بين النقد البنّاء الذي يساعدنا على التطور، والكلمات الجارحة التي تستنزف طاقتنا دون أن تضيف إلى حياتنا شيئاً.
وتتمثل الخطوة الثالثة في اختيار العلاقات الإنسانية التي تمنحنا الطمأنينة والدعم، ووضع حدود صحية للعلاقات التي تستنزف استقرارنا النفسي. فليس المطلوب أن نخوض معارك لإقناع الآخرين بقيمتنا، وإنما أن نعرف قيمتنا دون انتظار تقبل واعتراف الآخرين بها.
إن الحياة لا تمنحنا دائماً الظروف التي نتمناها، لكنها تترك لنا مساحة لاختيار كيفية التعامل معها. وقد لا نستطيع تغيير بعض الأحداث أو نتائجها، لكننا نستطيع أن نغيّر نظرتنا إليها، وأن نطلب العون حين نحتاجه، وأن نعيد رسم طريقنا بما يتناسب مع واقعنا الجديد.
ولعل أجمل ما نتعلمه من المحن أن قيمتنا لا تتراجع بمرض، ولا تتحدد بغياب أشخاص، ولا تُقاس بعدد المرات التي تعثرنا فيها. فبعض الطرق الصعبة تقودنا إلى معرفة أعمق بأنفسنا، وبعض النهايات التي خشيناها قد تكون بداية لحياة مختلفة تحمل معاني جديدة للنجاح والسعادة.
تذكر دائماً أن الحياة لا تتوقف عند مرض أنهك أجسادنا، ولا عند أشخاص خذلوا ثقتنا، ولا عند أحلام تأخر تحقيقها. إنها تستمر ما دمنا نؤمن بأن لكل مرحلة فرصة جديدة، ولكل محنة درساً، ولكل بداية متعثرة أملاً يستحق أن نسعى إليه.
القاعدة الذهبية: “لا تجعل ما مررت به نهاية لحكايتك؛ فقد تكون أصعب فصول الحياة بداية لأجمل ما لم يُكتب بعد”.
