تمويل التعليم عبْر الشرَاكة المجتمعية والاكتتاب الشعبي

آراء

فى المقال السابق، وقَفنا عند حقيقة حاسمة، مُفادها أن ترحيل أزمات التعليم فى مصر يُعَد استنزافًا مباشِرًا لرصيد الأُمة واستثمارها الأصيل فى أثمن مقوِّماتها: الإنسان المصرى. وإن كانت الأوهام البيروقراطية والفزَّاعات المالية قد صوَّرت إصلاح التعليم كـ «ثقب أسود» يبتلع الموازنات، فإن الواقع يَفرض علينا تجاوُز مرحلة التشخيص والحياد البيروقراطى، والانتقال الفورى إلى وضْع مشروع قوميٍّ لتطوير التعليم، يضمن الحقَّ الإنسانى والدستورى فى تعليم جيد، لكل طفل على أرض مصر، بصرف النظر عن موقعه الجغرافى أو مستواه الاجتماعى.

إن الانتقال من خانة «المسكِّنات» إلى خانة «البناء الاستراتيجى» يتطلَّب معالَجةً اقتصادية وثقافية، غيرَ تقليدية، معالَجة تفكِّك المعضلة الماليةَ، وتضع التعليم فى موقِعه الطبيعيِّ، كأولوية أمْن قوميٍّ، ومحرِّك أساسى للنموِّ الاقتصادى.

ولذا أدعو أولًا: لمؤتمر وطنى يعيد النظر فى طريقة بناء المنظومة التعليمية، و(صياغة العقد الاجتماعى بين التعليم والاقتصاد)، حيث لا يمكن لبناء تعليمى صلب أن يقوم على قرارات منفصِلة أو جُزُر معزولة داخل أروقة الوزارات.

وأحسَب أن البداية العمليةَ والموضوعية تبدأ من دعوة رئاسية لعقد مؤتمر وطنى موسَّع؛ لوضْع استراتيجية شاملة لتطوير التعليم وتغطية نفقاته.

ولا أتصور أن يكون هذا المؤتمرُ تظاهُرةً إعلامية أو تجمُّعًا أكاديميًّا تقليديًّا؛ بل لإعداد منصَّة لصياغة عقد اجتماعى واقتصادى جديد، يضم:

١ــ رجالَ التعليم والتربية من خارج دوائر المستفيدين من النظام المنظومة التعليمية الحالية؛ والساعين للتطوير؛ وذلك لرسْم غايات التعليم، وتطوير المناهج، وترسيخ الهُوَية الوطنية واللغة العربية، وإعادة الهيكلة التربوية، التى توازِن بين الابتكار والتفكير النقدى.

٢ــ ورجالَ الاقتصاد والاستثمار وممثلى المالية والقطاع المصرفى؛ لترجمة التطلعات التربوية إلى نماذجَ تمويليةٍ مستدامة، وتحويل الإنفاق التعليمى من بند استهلاك، يثقِل كاهِلَ الموازَنة، إلى أصل استثماريٍّ ذى عائد مُجزٍ ومباشر على الاقتصاد القومى.

وتلك بعض الأرقام التى أودُّ عرْضها قبْل أيِّ مقترحات: تمتلك مصر حوالى ٦٣ ألف مدرسة، مدارس القطاع الخاص حوالى ١٠٪ تقريبًا، المدارس الدولية داخل القطاع الخاص حوالى ١٪؛ أيْ أن الشريحةَ الأكبر هى المدارس التابعة للدولة.

والهدف الأساسى للمؤتمر هو الخروج بـ «وثيقة وطنية للتعليم»، تتضمن خريطةً زمنية ملزِمة لإصلاح البيئة التعليمية، وإدارة شؤون المعلِّم، الذى أراه أهمَّ ضِلع فى العملية التعليمية؛ فهو المؤثِّر الأهم لأولادنا تربية وتعليمًا. كما تتضمن آلياتِ تمويلٍ مرنةً تعتمد على الشراكة، وتضْمن ألا يُترَك طفل واحد خلْف الركاب، ودون تعليم حقيقي؛ أيْ دون وعى ومواكَبة للعصر.

ثانيًا: إعادة صياغة التمويل، عبْر الشراكة الشعبية والقطاع الخاص، فإذا كانت موازنة الدولة تعانِى من اختلالات الالتزامات الحاكمة، والديون وفوائدها؛ فإن المجتمع المصريَّ يملك طاقاتٍ تمويليةً يمكن تعبئتها، إذا ما توافَرت الثقةُ والشفافية؛ ولذا أطرح فكرة التمويل الذاتى لكل مدرسة من خلال أولياء أمور الطلبة؛ بمعنى أنه بدلًا من دفْع أموال طائلة فى الدروس الخصوصية، يتم دفْع هذه الأموال للمدرسة ذاتها، والنظر فيما تحتاج المدرسة من صيانة مستمرة: داخلية وخارجية، وأن يتم ذلك من خلال أولياء الأمور بأنفسهم، وقتها لن يشعروا بالضيق؛ لأن أولادهم يتعلمون فى هذه المدارس. كما يمكن أن يكون هناك تبرُّع شهريٌّ للمدرسة بدلًا من الأموال التى تُنفَق فى الدروس الخصوصية.

لقد أثبت التاريخ المصريُّ أن الشعب – بجميع قطاعاته – هو البانى الحقيقيُّ للمؤسَّسات الكبرى؛ بدءًا من اكتتابات بناء جامعة القاهرة، وصولًا إلى المشروعات القومية الكبرى.

كما يمكن اقتراح نموذج للشراكة التمويلية الشعبية على ثلاثة أركان رئيسة:

١ــ إسهامات القطاع الخاص ورجال الأعمال، وتحفيز الحِس بالمسؤولية المجتمعية، للمؤسَّسات والشركات الكبرى الخاصة، عبْر حوافزَ ضريبيةٍ واستثمارية موجَّهة.

كما يمكن أن يتم إنشاء «صندوق دعم التعليم فى القرى والنجوع»، يموِّله رجال الأعمال والشركات، وتُخصَّص مبالغ التبرعات أو الرعاية للمدارس مباشَرة، مقابل خصومات ضريبية معتمَدة، أو مقابل حقوق تسمية المدارس والمبانى بأسماء المساهمين أو شركاتهم، وفْق ضوابطَ تربويةٍ محدَّدة.

ــ كما يمكن إتاحة الفرصة للمستثمرين الشرفاء، لبناءِ مدارسَ حكومية بمواصفات جودة عالية، وتأجيرها للدولة بنظام التشغيل طويل الأجْل، مما يقلل العبء عن الخزانة العامة فى التكاليف الأولى.

٢. التضامن التعليمى ورسوم الخدمة المطوَّرة، فالواقع يقول إن الملايين من الأُسر المصرية تنفق سنويًّا عشرات الملايين على الدروس الخصوصية والكتُب الخارجية؛ بحثًا عن جودة مفقودة.

لذا يمكننا طرْح نظام «المدرسة الحكومية المطوَّرة، ذات المصروفات المباشرة» للطبقات القادرة، بحيث تدفع الأُسر القادرة مقابل خِدْمات تعليمية ممتازة فى المدارس الرسمية التابعة للدولة، على أن تعود هذه المبالغ مباشَرةً لصندوق المدرسة ذاتها؛ لتطوير بنْيتها وتحسين دخْل المعلمين، وليس لدواوين الوزارة.

ومن ثم توجيه الدعم الحكومى المالى الكامل والرعاية الفائقة للمستحقين فعليًّا، فى المناطق الأكثر احتياجًا، مما يحقق مبدأ العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الموارد.

ثالثًا: من بين المقترحات الاقتصادية الجريئة لإطلاق هذا المشروع القومى، تبرُز فكرة «الاكتتاب العام لتطوير التعليم»، إلا أن تطبيقها يحتاج إلى رؤية اقتصادية واضحة، تمنع تعثُّرها، وتضمن إقبال المواطنين عليها.

ولتكُن فى صورة إصدار «صكوك تعليمية قومية»، بفئات مالية صغيرة تتيح لكل مواطِن ومغترِب المشارَكة؛ بحيث لا يتعامَل المواطِن مع هذه الصكوك على أنها هِبة مجردة فقط؛ بل صكوك تنموية تُوجَّه عوائدُها للمشروعات الإنتاجية والخدمية المرتبطة بالتعليم (مثل شركات المطبوعات التعليمية، وِرَش تصنيع الأثاث المدرسى، منصَّات التكنولوجيا المدرسية)، فيحصُل المساهِم على عائد مالى رمزى، إضافة إلى الأثر الاجتماعى المباشر.

كما يمكن إشراك المصريين بالخارج، الذين بلغت تحويلاتهم نحو ٤٧ مليار دولار، حيث يمثِّلون قوة مالية ووطنية ضخمة. وذلك عبْر طرْح «سنَد التعليم القومي» بالعملة الأجنبية مع ميزات واستثناءات جمركية أو استثمارية للمشاركين، ويمكن تحويل تسييل هذه التحويلات إلى استثمارات مباشِرة فى بناء الإنسان المصرى.

رابعًا: هناك أفكار اقتصادية مبتكَرة لتغطية نفقات التطوير، مثل:

إعادة تدوير أصول وزارة التربية والتعليم المهدَرة، فهناك آلاف المبانى والأراضى والمخازن غير الاستثمارية فى أجهزة المدن والمحافظات. يمكن حصْر هذه الأصول ونقلها لـ «صندوق استثمارى سيادى للتعليم»، ليقوم بإدارتها وتأجيرها أو استثمارها تجاريًّا، وتوجيه أرباحها بالكامل لتأهيل المدارس القائمة ورعاية المعلمين.

وتحويل الاقتصاد الموازى (الدروس الخصوصية) إلى اقتصاد رسمى: بمعنى تحويل عشرات الملايين سنويًّا فى الاقتصاد غير الرسمى. إلى مراكز معتمَدة تخضع للإشراف التربوى والضريبى، وتوجيه حافز حصيلتها الضريبية لحساب صندوق دعْم المعلم فى المدارس الحكومية، بهدف دمْج الاقتصاد الموازى، وتوفير تمويل مباشر للمدرسة الرسمية.

والعمل على دعْم المعلم – الذى هو عصب المنظومة – بإلغاء الوظائف الهيكلية الطفيلية داخل ديوان الوزارة والمديريات، وتوفير الهدر المالى الموجَّه للمشاريع الشكلية، التى لا تخدم العملية التعليمية داخل الفصل، لجدول أجور المعلمين المرتبط بإنتاجيتهم وتطوير قدراتهم.

كما يمكن طرْح فكرة على الحكومة بتخصيص شقة مدعومة من الدولة للمدرس، وإيجاد تفاهمات مع شركات تصنيع السيارات، لتيسير حصول المدرس على سيارة خاصة، هذه المبادرات بإمكانها أن تعود بالمدرسين للمدارس الحكومية، ولرسالته الجوهرية؛ لأنه سيشعر بأنه مقدَّر من وطنه، ولديه أساسيات الحياة الكريمة، ووقتها فقط سيبذُل كل جهده.

كما يمكن إنشاء شركات مساهَمة لتوفير مستلزَمات المدارس (الأثاث، الزِّى المدرسى، التجهيزات المعملية، المنصات الرقمية)، وتكون تابعة للصندوق القومى للتعليم، بحيث تتحول عمليات الشراء والإنشاءات والتجهيزات من عبء على الموازَنة إلى نشاط اقتصادى يوفِّر فُرصَ عملٍ، ويحقِّق اكتفاءً ذاتيًّا للمنظومة التعليمية.

تطوير التعليم ليس حلمًا مؤجَّلًا لحين رخاء الموازنات؛ بل هو الشرط الأساسى لبقاء الأُمة وتماسُكها. إن الانقسام المجتمعى القائم بين تعليم أجنبى (محدود العدد) يعزل الناشئة عن لغتهم وهُوَيتهم الوطنية، وتعليم حكومى (متضخِّم الأعداد) متهالِك؛ يُخرِّج أجيالًا تعانى من الأمية المعرفية، هو التهديد الأكبر للأمن القومى المصرى.

والقيادة السياسية الشجاعة، التى لديها إرادة العبور بالوطن فوق التحديات الاقتصادية، قادرة على تبنِّى هذا المشروع القومى لتطوير التعليم، وتدشين المؤتمَر الوطنى الاقتصادي- التربوى، لفتح باب المشارَكة الشعبية والاستثمارية الواعية؛ لتتحول كل مدرسة فى مصر إلى حصن للهُوَية ومصْنع للوعى وبناء الإنسان. إن بناء العقول هو الاستثمار الوحيد الذى لا يخبُو، والوقت الآن لقرار تاريخى حاسم ومصيرى.

المصدر: المصري اليوم