علَّمنا التاريخ أنَّ الأزماتِ الكُبرَى هي التي تفرِز قادتَها، وذلك عندما يبلغ التحدِّي مدَاه. وتتطلَّب الأحداث أن يقِف قائدٌ يتحدَّث بصوت الجموع، ويعبِّر عن إرادتهم. وأحسب أن سعد زغلول هو التجسُّد التاريخي الأوضح لـ ”اللحظة التاريخية” والأزمة التي تصنع قائدًا في القرن العشرين من التاريخ المصري.
فعندما اندلعت ثورة 1919، لم يكن سعد زغلول مجرَّدَ سياسيٍّ تقليدي؛ بل تجمَّعت حوْله طاقات الشعب المصري، بمسلِميه ومسيحييه، في لحظة فارقة من تاريخ النضال ضد الاحتلال البريطاني، وتفويضه لعَرْض القضية على مؤتمر الصُّلح؛ لتصنع الأحداث من سعد زغلول “زعيم الأُمة”؛ حيث تحوَّل من سياسي ووزير سابق، إلى رمْز وطني جامع، نطَق بِاسم الشعب المصري كله.
وتكرَّرت مثلُ هذه اللحظة الفارقة في القرن الواحد والعشرين، حين خرَج أكثر من ثلاثين مليون مصرية ومصري؛ يطالِبون بنهاية حُكم جماعة الإخوان المسلمين، وعزْل رئيسها، ومُرشِدها وقادتها، وإزاحتهم من مشهد السياسة والحُكم في مصر، وهنا برَزت شخصية القائد ووزير الدفاع؛ عبد الفتاح السيسي، من خلال موقِعه في المؤسَّسة العسكرية، إضافةً لخِصَاله المبادِرة الحكيمة، العاشقة لمصر، حمَل رأسَه بين يدَيه، ومعه قادة الجيش؛ لمواجَهة أشرس جماعة، وأخطرها في التاريخ المصري والعربي؛ لتتجسَّد في التاريخ لحظةُ قائد وطنيٍّ شجاع، أزاح الجماعة الراديكالية الأكثر عنفًا، التي خطَّطت لتغيير الهُوَية المصرية، وإقصاء كل المختلِف عنهم، والاستئثار بحُكم مصر أكثر من 500 عام. اللحظة وثِقلها هي التي صَنعت القائد، إضافةً لحِكمة التخطيط، وقُدراته في تحمُّل المسئولية والتعامُل مع كل صوَر الفوضى والحرب، التي واجَهها معهم، هُم وأذنابهم في كل موقِع من مصر، وبالأخص سيناء، هذه اللحظات العصيبة منذ 2013 صنَعت للرئيس السيسي مَجْدَه كقائد احتمَل كلَّ ألوان الحرب النفسية والتشكيك في شخْصِه ونواياه.
ظَرْفٌ آخَرُ يَصنَع القائد؛ حيث الإرادة الذاتية، حين يترعرع الحلم، وتسيطر على عَقْل القائد ووجدانه رِفعةُ وطنه؛ فيعيش الحالم أو المريد مراحلَ الإعداد النفسي، والتثقيف السياسي الذاتي؛ أيْ القائد الذي يُولَد من رَحِم طموحه حِرْصًا على وطنه، فيمتلك عقيدة راسخة وإرادة صلبة، ويشكِّل رؤاه طويلاً دون ضجيج، إلى أن تحين الفرصة. وأحسَب أن الرئيس الراحل أنور السادات قائد عاش سنواتٍ طويلةً يدبِّر، يخطِّط، يقرأ في التاريخ والسياسة، ويكتب في عُزلته، ويمارس الصحافة والحياة الحزبية؛ مجهِّزًا نفْسه ومشروعه: العبور، ثم استعادة الأرض والسلام، وحين تولَّى السُّلطة؛ نفَّذ رؤيته الاستراتيجية بأعصاب ثابتة، وهندسة سياسية نادرة.
ثم هناك ثالث الطرُق، التي خاضها المصريون؛ حيث الأحزاب والعمل السياسي والالتحام الجماهيري، وهو طريق طويل من النضال الحزبي، والمؤسَّسي، والاحتكاك المباشِر بنبْض الشارع والكُتَل التصويتية.
ويجسِّد الزعيم مصطفى النحاس، المِثال التاريخي الأبرز لـ “العمل الحزبي، والشرعية الدستورية، والوجود على أرض الواقع بين الجماهير عبْر حزب الوفد”.
النحاس لم يصعد بقرار فوقي، أو بصُدفة بَحْتة؛ بل تدرَّج في القيادة الحزبية، واستمدَّ شرعيته من كونه امتدادًا لسعد زغلول، ومن قيادته للوفد؛ أكبر حِزب جماهيري في تاريخ مصر الحديث، ومن صراعاته البرلمانية والحزبية الطويلة ضِد القَصر، والاحتلال، واستناده إلى أغلبية شعبية داخل البرلمان.
الواقع السياسي يقتضي الآن أن نتساءل: هل الأحزاب والعمل السياسي الحزبي في مصر اليوم قادر على إفراز قيادات كبيرة للوطن؟
والحقيقة إنه بنظرة موضوعية مجرَّدة، تقرأ التاريخ بتمعُّن، وتفهم الحاضر، وتَزِن المَخاطِر والتحديات الأمنية والجيوسياسية بحيادية تامة؛ أستطيع أن أقول: لا.
في عهْد النحاس، كان الحزب هو الفاعل الرئيس، والوحيد تقريبًا، للتعبئة الوطنية ضد الاحتلال والقَصر. وكان يضُم كبَار المُلاك، والمفكِّرين، والشباب، والنقابات، ولم تكن هناك “تكتلات أيديولوجية دينية” – لها ثقلها - لينافسها الحزب على هُوَية الدولة.
وبرَصْد المَشهد السياسي المعاصِر؛ نجد أن الأحزاب المدنية اليوم تعاني من ضَعف الهياكل التنظيمية، وغياب القواعد الجماهيرية العريضة، والاعتماد الأكبر على الحضور النخبوي والإعلامي، بدلاً من الالتحام الميداني اليومي بالمواطنين.
كما يبرُز العائق الأهم أمام فتْح المجال الحزبي التقليدي كليًّا؛ والذي يتمثَّل في وجود تيارات أيديولوجية دينية، لم تَزَل طامعة في الهيمنة على الحُكم، حيث لا يمكن أن نغفل ثعبانية أداءاتهم؛ لاعتمادهم طوال تاريخهم على العمل السِّري، و”التكيُّف الهيكلي”، ومبدأ الخلايا النائمة. وهو ما يمكِّنهم من اختراق الأحزاب المدنية بسهولة، والعودة إلى الشارع من بوابة المظلومية، أو من خلال تقديمهم لخِدمات اجتماعية متعددة، برعوا من خلالها في استقطاب البسطاء، مما يهدِّد مدنية الدولة واستقرارها الوجودي.
ولعلَّنا لن نغفل أيضًا أن التياراتِ السلفيةَ تتَّبع منهجًا مرِنًا سياسيًّا في العلَن، لكن بعقيدة صلبة ومحافِظة في الجوهر، أيْ أنهم في انتظار لحظات التراجُع السياسي للأحزاب المدنية، أو تحوُّلات المشهد العام؛ حيث يمتلكون قدرة عالية على الحشْد القائم على “الروابط الدينية والخدمية” في الأرياف والمناطق الشعبية. ولديهم طموحهم المستمر لفرْض رؤاهم الاجتماعية والتشريعية، متى أتيحت الفرصة.
ــ 2 ــ
في العصر الحديث برَزت ركائزُ أخرى، تُعِد الرئيسَ أو القياداتِ، وتؤهِّلهم لمَناصبهم، ويسمِّيها الباحثون (ما وراء الكلاسيكيات)، حيث تتكامل معطيات ودراسات مستحدَثة؛ لتصنع الرئيس العصري.
فالرئيس لم يعُد مجرَّد خطيب مفوَّه؛ بل “مدير تنفيذي للدولة”، مُلِم بمقوِّمات الأمن القومي الحديث، ولديه القدرة على إدارة الأزمات الاقتصادية، ويمتلك حِسَّ المناورة وسط عالم متعدِّد الأقطاب، بصراعاته الناعمة؛ قائد يتمتع بالذكاء الجيوسياسي، والقدرة على الدبلوماسية الاستباقية.
وفي الدول ذات الطبيعة الجيوسياسية المعقَّدة (مثل مصر)، غالبًا ما يبرُز القائد من المؤسَّسة العسكرية كصمام أمان يحمي الدولة من الانهيار في لحظات الفوضى.
وهنا أطرح السؤال الرئيس في هذا المقال: هل يُعَد (الرئيسُ) ويُصنَع على الأعين، ضمن قصدية ودراسات متعددة؟
ولقد أطَلَّ هذا السؤال بقوة، بَعد تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخيرة، حول “إعداد قادة”؛ ليتم الاختيار منهم، بعد اجتيازهم لثلاثين شهرًا من الدراسة في الأكاديمية العسكرية، وهو ما يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول: هل يمكن هندسة الرؤساء في المختبَرات السياسية والعسكرية؟
تجيب التجارب السابقة، التي جاءت من الصين والغرب: بـ نعم.
حيث لم تعُد صناعة القادة تُترك للصُّدفة أو العشوائية في الدول المتقدِّمة، ففي الصين؛ النموذج الأقوى في “هندسة القادة”، لا يرتفع أحدُهم لقِمَّة هرَم السُّلطة صُدفة؛ بل يمُر المسؤول بمئات الاختبارات، ويبدأ كحاكِم لقرية صغيرة، ثم مقاطَعة فقيرة؛ شرط تحقيق معدَّلات نمو، ثُم وزيرٍ، ويخضع لدورات صارمة في “مدرسة الحزب المركزية في بكين”. فلديهم نظام استحقاق هندسي صارم، لإنتاج قيادات تكنوقراطية سياسية، عالية الكفاءة.
في النموذج الغربي، وخاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، يتم إعداد القادة عبْر مسارات مدروسة بدِقة، من خلال جامعات النخبة، ومراكز الأبحاث، والعمل في دوائر صُنع القرار كـ “مستشارين شباب”، ثم التدرُّج في مجالس النوَّاب والولايات، والانضمام لأحد الحزبين الجمهوري أو الديمقراطي. فالإعداد هنا يعتمد على الانخراط بقوة في الحياة الحزبية، بكل ما تقدِّمه من خبرات.
وحين تحدَّث الرئيس عن “إعداد القادة”؛ التَبَس الأمر على البعض، فظنُّوا أن القصدَ “هندسة فوقية” لتعيين أشخاص بعَيْنِهم، أو تفصيل مقاسات معيَّنة لمَن يُدير الدولة. ولكن بالتحليل للمشهد السياسي، وفي حالة ضَعف الأحزاب المدنية ككل؛ يتبيَّن أن الرئيس يتحاشَى السقوط في الفراغ القيادي، فمصر دولة كبرى ذات موقع وثقل إقليمي خطير، وتَرْك صناعة الصَّف الأول والثاني للصُّدفة؛ يعني تعريض الدولة لهزَّات عنيفة، في حال غياب القيادة. الإعداد هنا لتأمين الدولة. كما لِئَلَّا يتولَّى مَن له القدرة على الانتشار الواسع على الأرض، والتأثير على الجماهير، من جماعات أو تيَّارات ذات أيديولوجية دينية.
فمنذ سنوات تعمل الدولة على بناء “حضَّانات قيادية”، تدمج الشباب في برامج تأهيل مكثَّفة، تَجمع بين العلوم السياسية، وإدارة الأزمات، ودراسة التكنولوجيا الحديثة، والنزول الميداني. أيْ “مصنع كفاءات” مفتوح لمَن يثبت جَدَارته، وليس لفرد بعَيْنه، وذلك حين استشعروا فرَاغ المشهد السياسي والحزبي من نماذجَ مُلِمَّةٍ بمقتضيات القيادة واحتياجاتها. لكنها للأسف لم تصِل لدرجة النضج الكافي لصناعة حِراك سياسي مثمِر للمجتمع.
وأتصوَّر أن المقصود، أن تقوم الدولة بعملية الإعداد والتمكين الفني والمعرفي، بينما يظَل القرار النهائي للمجتمع وصناديق الاقتراع، وآليات الاختيار الدستورية.
أيْ أنَّ الدولة تؤسِّس قواعدَ بناءِ الكفاءات، وإعداد جادٍّ للمسؤولين؛ لمواجَهة تعقيدات العالم الجديد، لكن يظَل الرهان الحقيقي على الإنسان، فالقائد العظيم ليس الذي يملك العِلم والبيانات، ويدرك العلاقاتِ، ولديه رؤية ومخطَّط؛ لكن الأهم أن يتوَّج كل هذا بقلْب وعقل يسَع التعدد، ولا يُقصِي، يعي الخصوصيةَ المصرية، ويتعاطَف مع مواطنيه.
المصدر: المصري اليوم
