معلِّم اللغة العربية.. أزمة وحلول

آراء

     أطرح فى هذا المقال الرابع، حول «منظومة التعليم واللغة العربية»، قضيةً محورية لا تَقِل خطورة عن طبيعة المنظومة الإدارية والتمويلية فى التعليم المصرى، والتى يتعيَّن إعادة النظر فيها، كما طرحتُ فى المقالات السابقة.

     القضية التى تشغلنى هى أحوال معلِّم اللغة العربية، فإذا أردنا بحق الحفاظ على الهُوَية، والثقافة، والذائقة الجَمَالية، والتاريخ، والفِكر، والفنون المصرية والعربية؛ علينا الاشتغال على إعداد نموذج معلِّم اللغة العربية من جوانبَ شتَّى.

     حيث لا يمكن الحديث عن نهضة حقيقية للُّغة العربية فى المدارس المصرية، ولا عن الثقافة العامة للمجتمع، دون رد الاعتبار الحقيقى لمعلِّم اللغة العربية، الذى يُعَد الركيزة الأساسية فى أيِّ منظومة تطوير.

     يعانى معلِّمو اللغة العربية – فى المدارس الحكومية، فى مصرَ – من تدنِّى الأجور، مقارَنةً بحجم الأعباء المعيشية، مثلهم مثل معلِّمى المواد الأخرى فى المدارس الحكومية، مما يضطر الجميع للبحث عن مصادر دخْلٍ بديلة، وتحديدًا «الدروس الخصوصية»، أو العمل فى بعض المِهَن الأخرى، التى تحُوْل دون تفرُّغ المدرِّس لمِهنته ورسالته، كما لا يعود للمدرِّس – أمام الطالب – هَيبته، التى هى مكوِّن أساسى – فيما أرى – للعلاقة بين الطرفَين.

     هذا مع ملاحظة أن مدرِّسى اللغة العربية أيضًا، فى المدارس الناشيونال والإنترناشيونال، يتقاضون مرتباتٍ أقلَّ كثيرًا من باقى مدرِّسى المواد الأخرى، فى المدارس نفسها، وهو ما يدعو للتساؤل والعجب.

     يقول المنطق إن كل مدرِّس، وخاصةً مدرِّس اللغة العربية، الذى يشتبك أكثر – من خلال طبيعة مادته وموضوعاتها – مع الهُوَية والثقافة المصرية والعربية بمكوِّناتها الخاصة، هذا المدرِّس يعيش ضمْن متطلَّبات الحياة اليومية المتعدِّدة، ولديه احتياجاته هو وأُسرته، ويتعيَّن أن يحيا حياة كريمة ليستطيع أن يعطى بجدية.

ولذا أحسب أنه حان الوقت لمعالَجة هذا الخَلَل على محوَرَين:

     أولهما ضرورة إعادة النظر من الدولة فى مرتَّبات المدرِّسين بصفة عامة، وعلى رأسهم مدرِّسى اللغة العربية، وضرورة الرقابة على زيادة رواتبهم فى المدارس الخاصة الناشيونال والإنترناشيونال؛ للتأكُّد من مساواتهم بمدرِّسى المواد الأخرى.

     ولإصلاح هذا الخلل؛ على وزارة التربية والتعليم والحكومة، بالإضافة لرفْع رواتب المعلِّمين؛ وضْع محفِّزات مادية مباشِرة، مثل: ربْط أجور المعلِّمين بمؤشِّرات الأداء والجودة على أن يجتازوها بطريقة حقيقية وليس صوريا، والتمكُّن المِهنى، بحيث تكون رواتب معلِّمى اللغتَين (العربية والإنجليزية) فى صدَارة سلَّم الأجور فى الدولة؛ لجذْب ألمع العقول للعمل فى تدريس هذه التخصُّصات.

     وضرورة استمرار التأهيل الدائم للمعلِّم، وذلك بإنشاء «أكاديمية عليا لتطوير مهارات معلِّمى العربية» معرفيًّا وثقافيًّا، وتدريبهم على أحدث استراتيجيات التفاعُل الرقمى، والسرد القصصى، وكسْر حواجز التلقين الكلاسيكى، وابتكار الأنشطة، والوسائط التعليمية الجاذِبة للطلبة.

     كما أقترح عودة «اليوم المدْرَسى الكامل»؛ لتحويل المدرسة إلى بيئة جاذبة، تضُم أنشطة ثقافية، وفنية مع مدرِّسى اللغتَين العربية والإنجليزية، وعودة الرحلات، وحصص القراءة الحُرَّة، ووقت المكتبة، بإشراف مباشِر من المدرِّسين، وتفعيل مجموعات التقوية، المدعومة داخِل المدرسة، وبإشراف من الوزارة؛ للاستغناء عن الدروس الخارجية.

     وتدريب مدرِّسى اللغة العربية على إعداد الامتحانات؛ لتقيس الفهم، والتحليل، والنقد، والتطبيق (خاصةً فى اللغات)، وليس الحفظ والتلقين، لخلق العقول الناقدة والمبتكرة.

     هذا فضلًا عن إعداد برنامج ثقافى متكامل للمدرِّسين، وذلك بإعداد وِرَش قراءة، وفتْح نقاشات ثرِيَّة من خلال محاضرات وندوات مع ألمع العقول المصرية من مفكرين ومبدعين وسياسيين وغيرهم.

     ولعله من الضرورى النظر بجدية لفكرة إعادة التأهيل الثقافى لمدرِّسى اللغة العربية فى مصر؛ وذلك لسيطرة خطابات رجْعِية على الأذهان طِيلة العقود الزمنية الماضية، منذ سبعينات القرن العشرين، حيث استحوذت التيارات الأصولية الإسلامية على كثير من وعى وعقول شرائح عريضة من مدرِّسى مصر، وخاصة فى المُدُن الصغيرة والريف، واستهدافهم بقصْد لهذه الشريحة بالتحديد، والسيطرة على أذهانهم وعقولهم؛ ليقينهم بأنهم القادرون على نشْر أفكارهم فى الأجيال الأحدث، والسيطرة على المستقبَل. وهو ما رأيناه، ونلمس آثارَه، فى الكثير من المَشاهد فى المدارس المصرية، سواء فى نهج الفكر والثقافة، أو فى الشكل العام، وانعدام الحِس الجمالى.

     كما أعيدُ طرْحَ فكرةِ تخصيص شُقَق ميسَّرة التكلفة وسيارات للمدرِّسين، أُسوة بما تفعله بعض الوزارات الأخرى بالدولة، كنوع من التقدير للعطاءات المحورية والتأسيسية للمدرِّس، ولجعْلِه أكثر تقبُّلًا لبذْل أقصى جهْد فى تأدية رسالته لمستقبلنا.

     إن توفير أساسيات الحياة، مع الراتب المناسب، الذى يكفل للمدرِّس وأُسرته حياة كريمة، ثم المحفِّزات المادية وغير المادية التى سيحظَى بها، وتقدير مهنته ورسالته؛ كل هذا سيجعله ممتلِئًا بذاته وثقافته وعِلمه، منتميًا للوطن الذى يقدِّره، وهو ما سينعكس على قدراته وتطوير إمكاناته العِلمية وثقافته، وينعكس أيضًا على شخْصه وعِزَّة نفْسه، مترفِّعًا عن الصغائر، قامة راقية، ونموذجًا يُحتذَى أمام تلاميذه.

     كما ستنعكس ثقافته وعِلمه، وكفايته وحياته الكريمة أيضًا على مظْهرِه العام وملابسه، على سلوكه، وطريقة حواره، وصوته، وهو ما سيجعله مواكبًا للعصر ومتطلَّباته، قدوة حقيقية لكل طالبة وطالب؛ أيْ أننا نخلق أمام أولادنا النموذجَ الأمثل، والقدوة التى تسير على قدمَين أمامهم، وهو ما سيرفع من رُقِيِّ المجتمع بأكمله، من رُقِيِّ السلوك العام، ومن رِفعة التصرف، من الابتعاد عن الابتذال، وتوفير نموذج حى للحوار الراقى، ونبْذ اللغة المستهتِرة، لإعداد أجيال يحترمون الحياة، ويتفاعلون معها بصِدق ودون استهتار أو انتهازية.

     كما يتعيَّن أن تتغير صورة مدرِّس اللغة العربية، التى رسَخَتْ فى الأذهان، منذ زمن – فى الدراما المصرية السينمائية والتلفزيونية، منذ شخصية «أستاذ حمام» الكوميدية، التى أدَّاها (نجيب الرحانى) فى فيلم «غزل البنات» – والسخرية من دكتوراة فى حتى فى فيلم الأيدى الناعمة، وحتى الآن، من خلال نماذج رسَّخَت فكرة ساخرة خفيفة عن مدرِّس اللغة العربية، فلقد علَقَ بالذاكرة الجمعية دور وطريقة «عبد المنعم إبراهيم» فى «السفيرة عزيزة»، أو «محمد هنيدى» فى فيلم ومسلسل «رمضان مبروك أبو العلمين حمودة»، حيث رسَّخَت هذه النماذجُ وغيرُها نوعًا من السخرية المبطَّنة من مدرِّس اللغة العربية، فاستقرَّت صورة خفيفة غيرُ مقدَّرة فى الآفاق الذهنية، والوعى العام لمدرِّس اللغة العربية، والاستخفاف بما يقدمه، وطريقة تفكيره المتصلِّبة وملابسه وطريقة كلامه، وعدم مواكبته للعصر، وهو ما يسهِم فى إضعاف هيبة المِهنة.

حكى لى أحد الأصدقاء أن ابنته رفضت الموافقة على عريس تقدَّم لخطبتها؛ لأنه يرسل لها رسائل الواتس آب باللغة العربية الفصحى، وزاد الرفض عندما علمتْ أنه مدرِّس للغة العربية.

     التقدير الإعلامى لهذه المهنة الرفيعة، واختيار النماذج المشرِّفة منها، وإجراء حوارات إعلامية معها، وإطلاق حملات على المواقع تُبرِز النماذج المضيئة والملهِمة من معلِّمى العربية، الذين يتركون بصماتِهم فى تكوين شخصيات طلابهم، واستضافتهم أمام الملايين؛ لمعرفة دورهم الجوهرى فى صناعة مستقبل طلابهم، ولذا أقترح تقديم برنامج حوارى جذاب بعنوان «أستاذى ومعلمى» يتم فيه استضافة شخصية وحوار مفتوح مع المعلم الذى أثر فى حياته.

     وإعداد دراما تُبرِز نماذجَ أساتذة اللغة العربية المضيئة، ودورهم الحقيقى فى التأثير فى حياة طلابهم، وإبراز إنسانيتهم، وما يتحمَّلونه من أجْل تشكيل المستقبَل، من خلال تعليم وتربية أولادنا، وتكوين وعْيِهم الحقيقى، وطريقة رؤاهم للحياة، وكلها معانٍ تستحق أن تقدَّم بالشكل اللائق بها.

     إن إعداد وتأهيل معلِّم اللغة العربية – فى مدارسنا كافة – يُعَد الجسر الأكثر حيوية؛ ليعبُرَ أولادُنا إلى المستقبل، وهم يحملون مقوِّمات هُوَيتنا، وبصماتِ ثقافتنا، وفنونَنا وملامحَ مجتمعاتنا، هذا فضْلًا عن طرُق التفكير النقدى والموضوعى لدى أجيال كاملة.

المصدر: المصري اليوم