الحكاية لمَن يرويها: “كوم النور” وإضاءات روائية لعتمة التاريخ

آراء

     دائمًا ما تصدُق المقولة الخالدة: “الحكاية لمَن يرويها”؛ لمَن يملك السُّلطة ‏والقُدرة على فرْض السردية وتكرارها؛ لتدون وترسخ في الذاكرة الجمعية، ‏فالتاريخ الرسمي لم يكن يومًا بريئًا أو محايدًا؛ بل كان في كثير من ‏الأحيان أداةً طَيِّعة في يَد مَن يكتبون، في يَد من يملكون السلطة، يعتِّمون ‏على ما يشاءون، ويمحون من الذاكرة الجمعية رموزًا وأعلامًا استحقوا ‏الإنصاف والعدل؛ لكنهم غابوا تحت رُكام التجاهل المتعمَّد، والمحو ‏العنيف.‏

     في روايتها الأحدث؛ “كوم النور عباس حلمي الثاني”، تحكي الروائية (ريم ‏بسيوني) عن شبَكة المؤامرات التي تعرَّض لها الخديوي عباس حلمي ‏الثاني، وإزاحته من حُكْم مصر بتحالُف الإنجليز مع الأتراك، ومع بعض ‏حاشيته وأفراد من أُسرته، ثم تعاظَم هذا التعتيمُ بعد قيام ثورة يوليو، التي ‏أسدلت على الحِقَب التاريخيةَ، التي سبقتها، عباءة الإدانة الشاملة، وتعمُّد ‏محو الذاكرة. تكاتفت الأسباب؛ فباتت شخصيةُ الخديوي (عباس حلمي) ‏طيَّ الكتمان بالنسبة لقطاع عريض من الأجيال؛ لا يُعرف عنه سوى ‏شذرات باهتة، لا تليق بحاكم واجَه طغيان الاحتلال البريطاني بشجاعة ‏نادرة، الحاكم الثائر الذي عشق مصر، وسعى لحُريتها، وعمل على ‏نهضتها.‏

     في هذه الرواية التاريخية الممتعة والقَيِّمة، تتصدَّى الكاتبة بوعي لشخصية ‏عباس حلمي الثاني، حيث تبرِز تكوينه الشخصي، وإعداده المَلَكيَّ، منذ ‏الصغر، لكونه وليَّ العهد للخديوي توفيق، تحكي عن حدَبه ومحبته ‏لأُسرته، وخاصةً (نعمة الله)؛ أخته الصغيرة، ورفْضه لرضوخ والده للإنجليز ‏وغطرستهم، ثم تصِف وتعدِّد الكثير من المنجَزات التي حقَّقها لمصر، إذ ‏ترفع الغطاء عن حقائقَ مجهولة من خلال سرْد قِصته، وتزيح طبَقاتِ ‏الغبار والتشويه، التي ترسَّبت بفعل طُغْمة من المنسحِقين؛ لتعيد الاعتبارَ ‏لإنسان وحاكِم ظُلم حيًّا وميْتًا، وتكشِف لنا عن صفحات طمَسها التعتيم ‏الملَكي، ثم الجمهوريُّ على حد سواء.‏

‏1ــ الخديوي الثائر

     في هذا العمل الروائي الضخم، المكوَّن من ثلاثة أبواب، تضُم اثنين ‏وعشرين فصلًا، تقدِّم لنا الروائية صورةً بصرية ووجدانية مختلفة جذريًّا ‏للخديوي الشاب، الذي حكَم مصر في سِن ثمانية عشر عامًا؛ لم يكن ‏مجرَّد حاكِم تقليدي يلهو في قصوره؛ بل شابًا درَس في النمسا، وتنفَّس ‏الحرية والنهضة في أوروبا، فحلم بهما لمصر، ولذا لم يستكِن ولم يرضخ ‏لأكبر إمبراطورية في العالم وقتها؛ بل ظَل الخديوي الثائر يحلم بمصر ‏التي يريد، ويسعى لنهضتها ويفعل؛ فعشقه شعبُها، وصار يغنِّي له “الله ‏حَيّ، عباس جاي” حين يشعر بالظلم. منذ أول لحظة في حُكمه وجَد نفسه ‏محاصَرًا بقرارات الإنجليز وسطوة اللورد كرومر؛ فلم يسلِّم بالأمر الواقع؛ ‏بل سعَى بحِكمة ودهاء بالغَين لتحقيق التنمية والاستقلال، ومراوَغة تحكُّم ‏البريطانيين، ورفع إمكانات الجيش.‏

     حرصَ على إقامة المشاريع الكبرى الزراعية، وغرْس المحاصيل الجديدة ‏في الأرض المصرية، وإحياء التعليم وإقامة المدارس، وإنشاء الجامعة ‏المصرية، وإرسال البعثات، وتعليم الفتيات، وإصدار المجلات والصحف، ‏وتحديث الإدارة، ودعْم الصناعة الوطنية، والوقوف بجانب الطبقات ‏الكادحة والفلاحين، الذين وجدوا فيه سندًا وقربًا من أرواحهم. ‏

     حكَم عباس كامل مصر ثلاث وعشرين سنة رافضًا أن يرى بلده مستباحًا ‏من الإنجليز، يتحكمون في مصائره؛ فوظَّف إمكاناتِه الماديةَ والسياسية ‏لتكوين جماعة من الشباب المصري الثائر الواعي بحقوقه وحقوق بلده، ‏وصادَقهم؛ لنشْر تيار التنوير، مؤمِنًا بأن استقلال الوطن الاقتصادي ‏والثقافي، وخلْق الوعي لدى الجموع، هو البوابة الوحيدة لانتزاع سيادته ‏السياسية.‏

     وببراعة سردية ممتعة نجحت ريم بسيوني – من خلال استخدامها لتقنية ‏‏”السارد الفوقي العليم”، وحكْي الشيخ هلال – في تشريح البنْية النفسية ‏المركَّبة والعميقة لشخصية الخديوي عباس حلمي الثاني، وإبراز روح الملِك ‏الثائر، الذي يتصارع بداخله كبرياءُ السُّلطة ووجع الخذلان من الاحتلال. ‏لم تقدِّمه الكاتبة كبطل ملحمي مصمَت؛ بل كإنسان من لحم ودم، يعاني ‏صراعاتٍ ضاريةً بين رغبته الجامحة في التحرر بالوطن الذي عشقه، وبين ‏ضِيق الأفق المحيط به، وتآمُر الخونة ضده.‏

     وتتبلور هذه الروح الثائرة المراوِغة في حوارات الخديوي مع كرومر ‏وكتشنر، في مؤامراته للخلاص من تحكُّماتهم، في رغبته لتكوين جيش ‏مصري قوي، لا يأخذ أوامره من محتليه، عباس حلمي الذي كان يردد ‏بيقين: “إن مصر ليست مجرد عرش أجلس عليه؛ بل هي الروح التي ‏تجري في عروقي، وإن خسارتَها أهونُ عندي من الخضوع لسيطرة ‏الأجنبي.” الحاكم الذي ضحَّى بمُلكه ومُلك ابنه عبد المنعم؛ لئلا يخضع ‏ويهادِن الإنجليز.‏

     هذه البنْية النفسية المثابِرة، التي لا يداخِلها الكلَلُ أو اليأس، جعلت القارئ ‏يتعايش مع نبضات قلبه، ومعارك كبريائه الصامتة أمام الغطرسة ‏البريطانية.‏

‏2ــ براعة التجسيد ضمْن مَشاهدَ تبعث التاريخ من غفوته ‏

     ولقد تميزت الرواية بقدرة فائقة على صياغةِ مَشاهدَ درامية وحوارية ‏استثنائية، رصَدت بدِقة محطَّاتِ وتحولاتِ عمْر الخديوي عباس حلمي ‏الثاني، ومواجهاتِه الصداميةَ الشهيرة مع اللورد كرومر، ومحاولاتِ إزاحته ‏من مصر، وصولاً إلى فصول النفي الأليمة، والشتات في البحر، في ‏يخته؛ انتظارًا لدخول مصر ثانيةً، بعد خلْعه من الحُكم، ومحاولة تصفيته.‏

     ولقد نشطت مخيلة الروائية، مع بحْثها وتقصِّيها الدؤوب في تاريخ أُسرة ‏محمد علي، وشخصية عباس، وأحداث حياته؛ لصياغة مَشاهدَ درامية ‏استثنائية، تقبض فيها بحِرَفية على حيوية الأحداث ودراميتها، فتجسِّد ‏تفاصيل لغة الجسد والنظرات المحتَدة، وباختيارها للمفردات، وكيفية ‏صياغاتها التي تبرز خلف ما يقال من كلمات، وبنقْل جرأة عباس حلمي ‏وذكاءه وسخريته من كرومر في حفل وداعه، بعد أن خطَّط لإزاحته من ‏مصر، تقول: “.. رأى اللورد لمعة النصر وابتسامة المعرفة. توقَّفا عن ‏الكلام برهة. فقال اللورد وهو يزيح نظارته حتى لا يرى عباس حلمي ‏بوضوح: أحيانًا، فقط أحيانًا، أعتقد أن المشكلة هي كبرياء شخصيٌّ أكثر ‏من بحْث عن مصلَحة مصر، يشعر أحيانًا أهل الشرق بأن الكرامة تأتي ‏قبْل المصلَحة، وهذا دومًا يودِي بهم إلى الهلاك، ولكني أريد مصلَحة ‏مصر.. ومصلَحة مصر ليست في دعم الخديوي السِّري للأحزاب كلها، ‏بأمواله الخاصة؛ فهذا يؤدي إلى الفوضى..‏

     قال عباس حلمي في هدوء، وهو لم يزَل ينظر إلى كرومر: الكبرياء ‏الكرامة.. لديهم أفكار مجردة يتشبثون بها هؤلاء الشرقيون، اعذرْهم يا ‏لورد..” وتستكمل الروائية مشهدها بمزيج من التحدي والسخرية والانتقاد ‏بين الشخصيتين؛ لنقْل علاقة مركَّبة بين الخديوي وممثِّل الاحتلال الرابض ‏فوق أنفاسه. كما تتجلَّى دلالة مَشاهد أخرى – في النَّص – بين ‏الشخصيتَين، حين يتحدث الخديوي بلهجة حاسمة تؤكد أن مصر ‏للمصريين، وليست مزرعةً بريطانية، وإصراره الدائم على اتخاذ قرارات ‏منفردة، تعيد للوزارة الوطنية اعتبارها، مثل إقالة نوبار باشا، أو دعْم أحمد ‏مظلوم، أو تكوين جمعية “مودة سِرية” من شباب مصر التنويريين الثائرين، ‏في تحدٍّ صارخ لجبروت كرومر، الذي طالما اعتاد طاعة الخديويين من ‏قبْله.‏

     هذه المَشاهدُ المحورية لا تبرِز فقط عُمق شجاعة الخديوي؛ بل تجسِّد ‏ببراعة بصرية وفنية معاناةَ الحاكم الوطني، الذي يصارع طواحين الهواء، ‏محاطًا بالخونة والضعفاء المستسلمين، فتترك في وجدان القارئ أثرًا عميقًا، ‏يجعلنا نقف احترامًا أمام محاوَلة تاريخية جريئة لكسْر طوق التبعية ‏للاستعمار.‏

‏3ــ الرمز في الرواية.. دلالات البوصلة والتل

     ولم تكتفِ (ريم) في نَصها وتقنياته بالواقعية التاريخية؛ بل نسجت شبَكة ‏من الرموز الفنية العميقة، التي تضاعِف من ثراء النَّص، وتمنحه أبعادًا ‏فلسفية وجمالية رفيعة. يبرُز في مقدِّمة هذه الرموز اسمُ الرواية ذاته، ‏ومحورها “كوم النور”، حيث التل الذي تتجمَّع عليه أشعة الشمس؛ ليمنح ‏ضياؤه الشرعيةَ والقوة لمَن يراه، ويشكِّل رمزًا لتَوْق المصريين الدائم إلى ‏النور والعدل والحرية، وتعلُّقهم الأبدي بفكرة الحاكم الوطني المخلِص، الذي ‏يضيء عتمة الظلم.‏

     كما تتجلَّى رمزية “فتاة السيرك؛ البهلوانة التي تسير على الحبل المشدود”؛ ‏لتعبِّر بعبقرية عن حال السياسة المصرية في تلك الحقبة الخطرة؛ حيث ‏كان الحاكم والمجتمع يحاولان التوازن بحذر بالغ فوق حبْل دقيق مشدود ‏بين مطرقة الاحتلال البريطاني، وسندان المؤامرات الداخلية والخارجية. ‏ولقد شعرتُ ضمْن بعض صياغات الروائية أن البهلوانة هي بعضٌ من ‏شخصية عباس كامل، في أحد أبعادها المتفرِّعة المراوِغة. وتظَل شبَكة ‏الرموز – في النَّص – تنطق بالدلالة العميقة؛ لربْط الماضي بالحاضر، ‏وتأكيد أن حكاية “كوم النور” هي حكاية كل إنسان ووطن باحث عن ‏حريته.‏

     بهذا العمل الكاشف والجميل، تثبِت (ريم بسيوني) أن الرواية التاريخية ‏ليست هروبًا إلى الماضي؛ بل هي مرآة واعية، تكشف خبايا الماضي ‏والحاضر معًا. وتنصف خديويًّا مظلومًا؛ فيعيد نَصُّها للأجيال الحديثة ‏حكايةً كادت أن تطمرها رمال التعتيم، لتؤكِّد مجدَّدًا أن الحكاية لمَن ‏يرويها، متحريا للحقيقة، وجمال الفن والسرد.‏

ونستكمل في المقال القادم.‏

المصدر: المصري اليوم