خاص لـ هات بوست:
منذ أيام، نشرت منظمة الصحة العالمية دراسة تشير إلى أن نحو 840 ألف وفاة سنويًا ترتبط بساعات العمل الطويلة والإجهاد المهني.
لكن الرقم — على ضخامته — لا يقول كل شيء؛ لأن ما يغيب عن هذه الإحصاءات هو ما يسبقه: ضغطٌ يتراكم بصمت، وتآكلٌ بطيء، وأثرٌ نفسيّ واجتماعيّ لا يُلتقط بسهولة… لكنه يُعاش يوميًا.
ولأن ما لا يُرى لا يدخل في الحسابات بسهولة، فإن الخسارة لا تكون إنسانيةً فقط، بل اقتصاديةً أيضًا:
إنتاجيةٌ تتآكل، وغيابٌ يتكرّر، واستنزافٌ صامت لا يظهر في التقارير بوضوح… لكنه يترك أثره في كل تفصيلة.
ليس ما يلفت الانتباه هو الرقم فقط، بل ما يختبئ خلفه.
فنحن لا نسلّط الضوء على من رحلوا فحسب، بل على من ما زالوا هنا… تحت وطأة أثرٍ لا يُرى، لكنه يلازمهم.
في العمل، لا يُقاس التعب دائمًا بالساعات، بل بما يبقى منك بعدها.
فالأذى النفسي لا يحتاج إلى دليلٍ مرئيّ ليكون حقيقيًا؛ ومع ذلك… لا نصدّقه إلا حين يتحوّل إلى أثرٍ جسديّ.
بيئات العمل تتطوّر في مظهرها، لكن الاعتراف بعمق الأثر الإنساني ما زال متأخرًا؛
نحسّن الأنظمة… ونؤجّل الإنسان.
الانهيار هنا… لا يعلن نفسه.
يبدأ بشكلٍ مهذّب: تعبٌ عابر، صداعٌ مؤقّت، ضيقٌ يُبرَّر… ثم يتحوّل تدريجيًا إلى نمط حياة.
وحين يصبح الإرهاق هو القاعدة… يبدأ الإنسان بالاختفاء.
أحدهم يفتح بريده في الصباح، لا ليرى ما فاته، بل ليقيس ما تبقّى منه.
هذا النوع من التعب لا يُكتب في التقارير، لكنه يُعاش كل يوم.
التقرير يتحدّث عن ساعاتٍ طويلة، وإجهاد، وبيئةٍ سامة، وغياب التوازن، وانعدام الأمان الوظيفي؛
لكن التعليقات… كانت أكثر صدقًا:
“إذا صار لي شيء… لمَن أشتكي؟”
هذا السؤال لا يبحث عن إجابة بقدر ما يكشف غيابها؛
فحين لا تجد جهةً تشتكي لها، فالمشكلة أكبر من شكوى.
ثم يأتي الصوت الذي يحمّل الفرد المسؤولية:
“أنت مسؤول عن حماية نفسك.”
وهو صحيح… لكنه ليس كامل الحقيقة.
فالإنسان لا يعمل بمعزل، بل داخل منظومة؛
وإذا كانت هذه المنظومة تستنزفه، فلا يمكن أن تكون الحماية مسؤوليةً فرديةً بالكامل.
المشكلة ليست غامضة؛ أسبابها واضحة:
ساعات عملٍ طويلة تذيب أيّ حدّ بين الحياة والعمل، وثقافةٌ تمجّد الإرهاق وتكافئه، وإدارةٌ غير واضحة أو غير عادلة تجعل الضغط مستمرًا لا استثناء.
ولا يعني ذلك أن كل بيئات العمل متشابهة؛ لكن الإشكال يظهر حين يصبح الاستثناء هو القاعدة.
والصمت ليس خيارًا حرًا دائمًا؛
فالخوف من فقدان الوظيفة يدفع كثيرين إلى تحمّل ما لا يُحتمل، بينما يفرض العمل الرقمي حضورًا دائمًا لا ينتهي… فيبقى الذهن في حالة عمل، حتى خارج العمل.
وكأن النهاية كانت تُكتب منذ البداية.
غياب الدعم النفسي المؤسسي، مع تراكم ضغوطٍ يوميةٍ صغيرة لا تُلاحظ، يصنع حالةً مستمرة من الإرهاق لا تظهر فجأة… لكنها لا تختفي.
سوء الإدارة لا يرهق الأداء فقط… بل يرهق الحياة نفسها.
والمشكلة ليست في العمل، بل حين يصبح الإنسان هو الثمن.
خارج الأرقام، تتضح حقيقةٌ أكثر هدوءًا… وأكثر قسوة:
هناك ما لا يُسجَّل… لكنه يُعاش.
وليس كل من بقي حيًا… بخير.
لكن السؤال لم يعد: لماذا يحدث هذا؟
بل: من المسؤول عن استمراره؟
هل تكفي مؤشرات الأداء وحدها… لقياس ما يحدث للإنسان داخلها؟
أم الإدارات التي ترى الضغط أداة… لا خطرًا؟
أم سياسات الموارد البشرية التي تتعامل مع الرفاه كميزةٍ إضافية… لا كضرورة؟
ثم ماذا عن القرارات؟
هل يكفي أن نعرف المشكلة… دون أن نعيد تصميم بيئة العمل نفسها؟
فهل يُعقل أن نُواكب العالم في تقنياته… ونتأخّر في إنسانيته؟
أن نتحدّث عن الذكاء الاصطناعي، بينما ما زلنا ندير الإنسان بأفكارٍ أكل عليها الزمن وشرب، في زمنٍ تتضاعف فيه الضغوط النفسية والاجتماعية يومًا بعد يوم؟
تقليل ساعات العمل ليس رفاهية،
ووضوح التوقعات ليس خيارًا،
والدعم النفسي ليس مبادرةً تجميلية… بل ضرورة تشغيلية.
في هذا الإيقاع الذي لا يتوقّف — من العمل، ومن الحياة، ومن الحضور الدائم عبر الشاشات —
لم يعد ممكنًا أن تبقى بيئات العمل بمعزل عن هذا الواقع،
وكأن الإنسان يدخل العمل… بلا ما يحمله من خارجه.
السؤال الحقيقي إذًا ليس فقط: كيف نحمي الفرد؟
بل: كيف نعيد بناء بيئة لا تستنزفه من الأساس؟
لأن أخطر ما يفعله العمل…
أنه لا يأخذ حياتك مرةً واحدة،
بل يأخذها منك… يومًا بعد يوم.
فكم عدد من يختفون ببطء…
دون أن يلاحظهم أحد؟
