أين ملامحنا بين عيادات التجميل والفلاتر والذكاء الاصطناعي؟

آراء

خاص لـ هات بوست:

     أصبحنا نعيش في زمنٍ لم تعد فيه الملامح تُرى كما هي، بل كما “تُنتَج” رقميًا. ومنصات التواصل والتطبيقات لم تعد مجرد أدوات للتصوير، بل أصبحت تُعيد تشكيل علاقتنا بوجوهنا، حتى صار الإنسان يقف أمام صورته الحقيقية وكأنه ينظر إلى نسخة “مختلفة” من نفسه.

     وربما لهذا جاءت فكرة هذا المقال أصلًا؛ فالقصة بدأت عندما قررت — متأخرة جدًا — أن أجرّب أحد “ترندات” السوشال ميديا المنتشرة؛ فيديو بسيط قائم على مقارنة صورتك الحالية بصورة طفولتك، وكأن الحاضر يلتفت إلى ماضيه للحظة.

     لكن ما حدث كان غريبًا ومثيرًا للتأمل؛ وضعت صورة حديثة لي دون فلتر، إلا أن الصورة التي أظهرها التطبيق جاءت مغايرة تمامًا؛ إذ بدت الوجنتان منحوتتين رقميًا، والملامح مصقولة بطريقة لا تُشبهني. وهنا بدأت أفكر: إلى أي درجة أعادت وسائل التواصل تشكيل إدراكنا البصري؟ ومتى تحوّل الوجه الطبيعي إلى شيء يحتاج تفسيرًا أو “تصحيحًا”؟

     إن الفلاتر وتطبيقات الوجوه لم تعد تُستخدم لإخفاء العيوب أو تحسين الإضاءة، بل لصناعة ملامح جديدة تتكرر بشكلٍ آلي يكاد يجعل الجميع يشبه الجميع. شفاه متشابهة، وخدود مستنسخة، وبشرة ملساء جُرّدت من أي أثر للحياة… حتى أصبح الاختلاف الإنساني يبدو وكأنه خطأ بصري. وهنا لا نتحدث عن “تحسين صورة”، بقدر ما نتحدث عن إعادة تعريف الجمال نفسه؛ الجمال الذي لم يعد يُقاس بفرادتك الإنسانية، بل بمدى اقترابك من قالب بصري موحّد تُنتجه الخوارزميات وتكرّره ملايين المرات يوميًا.

     واليوم، يأخذ الذكاء الاصطناعي التوليدي هذا التنميط إلى مستويات غير مسبوقة؛ فالمسألة لم تعد تقتصر على تعديل ملامح قائمة، بل تعدّتها إلى تخليق وجوه كاملة وهويات بصرية افتراضية (AI Avatars)، وصناعة تزييف عميق (Deepfake) يمحو الحدود الفاصلة بين الحقيقي والاصطناعي. ومع الوقت، بدأ هذا الشكل يتكرر في كل مكان تقريبًا، حتى بدت الوجوه وكأنها تنتمي إلى القالب نفسه؛ مهما اختلفت أوطانها وأعراقها.

     ولم يعد الأمر محصورًا بالشاشات، بل انتقل تدريجيًا إلى الواقع ليعكس المعايير الجمالية لعيادات التجميل حول العالم. وفي السنوات الأخيرة، بدأ هذا التحول يُناقش داخل الأوساط النفسية والطبية تحت مصطلح “Snapchat Dysmorphia”، وهو مفهوم يصف حالة متزايدة يطلب فيها الأشخاص عمليات تجميل تجعلهم أقرب إلى نسختهم المفلترة رقميًا، لا إلى ملامحهم الحقيقية. وقد نشرت مجلة JAMA Facial Plastic Surgery دراسات تربط بين الاستخدام المكثف للفلاتر وارتفاع معدلات عدم الرضا عن الشكل الطبيعي، خصوصًا لدى فئة الشباب.

     واللافت أن القضية تعود إلى تغيّر الإدراك البصري نفسه؛ ففي علم النفس الإدراكي، يشير مفهوم “Visual Adaptation” (التكيّف البصري) إلى أن الإنسان يبدأ بالتعوّد على ما يراه باستمرار، حتى يظنه الشكل الطبيعي. وحين تتعرض العين يوميًا لساعات طويلة من الوجوه الملساء والمعدّلة، يبدأ الوجه الطبيعي تدريجيًا بفقدان “ألفته البصرية”، لا لأنه أقل جمالًا، بل لأن أعيننا اعتادت شيئًا مختلفًا.

     ولهذا لم يعد غريبًا أن يبدو الوجه الطبيعي لبعض الناس “باهتًا” أو “متعبًا”. بل إن بعض من احتفظوا بملامحهم الفطرية دون (رتوش) قد يُنظر إليهم وكأنهم أقل جاذبية، فقط لأن العيون اعتادت نسخًا رقمية مستحيلة لا تتعرّق، ولا تتعب، ولا تحمل أي أثر حقيقي للحياة.

     وفي عام 2023، أشارت تقارير نفسية وأبحاث منشورة في Body Image Journal وJournal of Social and Clinical Psychology إلى تصاعد القلق المرتبط بالمظهر الخارجي نتيجة المقارنة المستمرة بين الشكل الواقعي والصورة الرقمية المعدّلة. وهنا تبدأ المشكلة الأعمق: الإنسان لم يعد يقارن نفسه بعارض أزياء أو ممثل بعيد عنه… بل أصبح يقارن نفسه بنسخة رقمية مستحيلة من ذاته هو.

     في رأيي، هذه ليست قضية شكل فقط، بل قضية وعي وهوية؛ إنه شكل جديد من الاغتراب الإنساني يجعل الإنسان يعيش بين ذاتين: ذات حقيقية يراها في المرآة، فيتساءل إن كانت “كافية”، وذات رقمية يراها في الشاشة ويحاول مطاردتها باستمرار. ولعل أقسى تجسيد لهذا الاغتراب يتجلى في تلك اللحظة الخاطفة التي تنطفئ فيها شاشة الهاتف فجأة؛ حيث يسقط الوهج الرقمي المستعار في ثانية واحدة، لينعكس على الزجاج الأسود المظلم وجه الإنسان الحقيقي بملامحه المتعبة، والواقعية، والوحيدة.

     وهنا وجب التنويه، وبحياد تام، إلى أن هذا الطرح لا يأتي من باب إطلاق الأحكام الأخلاقية، ولا ينتقص أبدًا من أي قرار شخصي يتخذه أي فرد للتعامل مع مظهره وخياراته بالطريقة التي تمنحه الراحة والسلام الداخلي؛ فالحرية الشخصية مساحة مصونة وسط ضغوط هذا العصر. إنما الغرض هو محاولة لتفكيك الظاهرة، وفهم كيف بدأت هذه الصور تُعيد تشكيل وعينا الجماعي دون أن نشعر.

     الفيلسوف الفرنسي جي ديبور (Guy Debord) تحدث مبكرًا في كتابه “مجتمع الاستعراض” (The Society of the Spectacle) عن عالم تتحول فيه الصورة إلى واقع بديل يُعاد من خلاله تشكيل الإدراك الاجتماعي والإنساني. وربما لهذا يبدو أحيانًا أن النسخة المصنوعة أصبحت أكثر حضورًا من الأصل نفسه. وهو ما عمّقه لاحقًا الفيلسوف جان بودريار في أطروحته حول “النسخ البديلة” (Simulacra)، حيث تحل النسخة المصنوعة محل الأصل، بل وتتفوّق عليه حضورًا وجاذبية حتى يكاد الأصل يختفي. وفي زمن المنصات والذكاء الاصطناعي، يبدو أننا نعيش النسخة الرقمية الأكثر تطرفًا من هذه الفكرة؛ حتى بدا أحيانًا أن الصورة لم تعد تعكس الإنسان، بل تدفعه لأن يُعيد تشكيل نفسه باستمرار.

     إن أخطر آثار الفلاتر والتقنيات التوليدية ليست أنها تغيّر ملامحنا، بل إنها بدأت تغيّر علاقتنا بالحقيقة نفسها. فحين يفقد الوجه الطبيعي ألفته، لا تتغيّر معايير الجمال فحسب، بل تتغيّر علاقتنا بالإنسان أيضًا.

     ومع ذلك، فإن الطبيعة الإنسانية تميل دائمًا إلى المقاومة واستعادة توازنها. فكما صنعت الخوارزميات هذا القالب الموحّد، بدأت تظهر في المقابل “حركات ارتدادية” عفوية؛ ترندات عالمية تحتفي بالبشرة الحقيقية، وصور توثّق العيوب والتجاعيد وعلامات التعب بوصفها رموزًا للأصالة والفرادة والعمق الإنساني، في محاولة واعية لإعادة بناء ألفة بصرية مع الوجه البشري في صورته الفطرية.

     فهل تنجح هذه المقاومة في إعادة برمجة نظرتنا، ومصالحتنا مع ملامحنا الحقيقية، أم أننا سنستمر في مطاردة تلك النسخة الرقمية التي لا تشبهنا تماماً؟