زمن الريمورا… حين تصبح المكانة بديلًا عن القيمة

آراء

خاص لـ هات بوست:

     استوقفني مقال الدكتور سليمان الهتلان «مثقف الريمورا». ليس لأنه قدّم وصفًا بليغًا لشخصية نعرفها جميعًا، بل لأنه منحها اسمًا ظل يرافقني حتى بعد انتهاء القراءة.

     وما إن أغلقت المقال حتى وجدت نفسي أتساءل: لماذا نحصر الريمورا في الثقافة؟ فكلما تأملت الفكرة أكثر، اتسعت أمامي الصورة. بدا لي أن الريمورا لم يعد يسكن المشهد الثقافي وحده، بل أصبح نمطًا يتكرر في بيئة العمل، والإعلام، ووسائل التواصل، وحتى في العلاقات الإنسانية. لم يعد مجرد «مثقف ريمورا»، بل أصبح «إنسان الريمورا»؛ يقتات على جهود الآخرين، ويقترب من أصحاب المكانة، ويبحث عن ثمرةٍ لم يزرعها، أكثر مما يبحث عن شجرةٍ يغرسها.

     لقد استخدم الدكتور سليمان الهتلان استعارة ذكية لكائنٍ يلتصق بغيره ليستفيد من قوته وبقايا جهده، لكن ما يثير القلق حقًّا أن هذا السلوك لم يعد استثناءً، بل أصبح يتكرر بأشكال مختلفة في حياتنا اليومية؛ حيث يتراجع الاستحقاق أمام الانطباع، ويُقدَّم الظهور على الجوهر، وتصبح المكانة عند بعض الناس بديلًا عن القيمة.

     في بيئة العمل، لا يبحث الريمورا عن الإنجاز بقدر ما يبحث عن صاحبه. يعرف جيدًا أين يقف، ومتى يظهر، وإلى جوار من تُلتقط الصورة. ويجيد أن يحوّل جهد الآخرين المتواري خلف المكاتب إلى رصيدٍ يضاف إلى صورته. وحين يُسأل عن حصيلته المهنية، لا يسرد مشاريع أنجزها، بل يستعرض شبكة علاقاته، وكأن معرفة الناجحين إنجازٌ بحد ذاته.

     الريمورا لا يقتات على المعرفة، بل على أصحابها. ولا على العمل، بل على العاملين. ولا على الإنجاز، بل على صانعيه. لا تعنيه الرحلة، ولا سنواتها، ولا تعثراتها؛ فهو لا يظهر إلا عند خط النهاية.

     ولا يقف الأمر عند بيئة العمل. فهذا السلوك يمتد إلى الصداقات أيضًا؛ حيث يُقاس الإنسان أحيانًا بما يمثله من مكانة، لا بما يحمله من قيمة. فالريمورا لا يقترب منك لأنك أنت، بل لأنك في موقعٍ يراه نافعًا. فإن خفت بريقك، انسحب بهدوء، وإن عاد الضوء إليك، عاد وكأن شيئًا لم يكن. إنها علاقة مصلحة أكثر منها علاقة إنسان.

     أما في الفضاء الرقمي، فقد بلغت هذه الظاهرة ذروتها. أصبحت المهمة أسهل من أي وقت مضى؛ بضعة اقتباسات منزوعة من سياقها، ومصطلحات رائجة تُردد بثقة، ثم يبدأ التصفيق. لم يعد السؤال عند كثيرين: ماذا تعرف؟ بل: كم مرة ظهرت؟ ففي زمن الخوارزميات، أصبح الوصول إلى الناس أسهل من الوصول إلى المعرفة، وأصبح الانطباع ينتشر أسرع من الحقيقة، حتى غدت بعض المنصات تكافئ من يجيد جذب الانتباه أكثر ممن يجيد صناعة المعرفة.

     وهنا تكمن الأزمة. فقد تماهت الحدود بين الشهرة والنجاح، وبين الحضور والقيمة، حتى صار التكرار عند بعض الناس شهادة خبرة، بينما بقيت الخبرة الحقيقية تعمل بصمت، بعيدًا عن الأضواء.

     ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تظلم أصحاب الإنجاز فحسب، بل تعيد تعريف معنى النجاح لدى الأجيال الجديدة. فيكبر بعض الشباب وهم يظنون أن الطريق إلى المكانة يمر عبر العلاقات أكثر مما يمر عبر الكفاءة، وأن الاقتراب من الناجحين يغني عن أن تكون ناجحًا.

     الفرق بين صاحب الإنجاز والريمورا أن الأول يغرس الشجرة، ويسقيها، وينتظرها حتى تثمر، أما الثاني فلا يظهر إلا حين يحين موسم الحصاد.

     ولعل السؤال ليس: لماذا يوجد الريمورا؟ فمثل هذه الشخصيات كانت موجودة في كل زمان. السؤال الأهم: لماذا نمنحها كل هذا الحضور؟ ولماذا نخلط بين من صنع الإنجاز ومن أحسن الوقوف بجواره؟ فالمتسلق لا يصعد وحده، بل يجد دائمًا من يمد له السلم، ومن يصفق لوصوله، ومن يكتفي بالصورة دون أن يسأل عن الرحلة.

     إن المثقف الحقيقي، والمهني الحقيقي، والصديق الحقيقي أيضًا، لا يحتاج إلى استعارة ظل غيره ليعيش. إنه يدرك أن المعرفة لا تُستعار، وأن الخبرة لا تُلتقط في صورة، وأن الاحترام لا تمنحه الألقاب، وأن القيمة لا تعيش طويلًا إذا كانت مستعارة. ولذلك يمتلك شجاعة المعرفة التي تبدأ من شجاعة الاعتراف بالجهل؛ فلا يخجل من أن يقول: «لا أعلم»، أو: «هناك من هو أقدر مني في هذا التخصص». فالتواضع هنا ليس نقصًا في الكفاءة، بل أحد أدلتها.

     وفي نهاية الأمر، لا يكمن الخطر الحقيقي في المتسلق وحده؛ فالنفوس الانتهازية كانت موجودة في كل زمان. الخطر الحقيقي يكمن في المجتمع الذي يمد له السلم، ويصفق له، ويخلط بين كثرة الظهور وكثرة العطاء، وبين من صنع الإنجاز ومن وقف إلى جواره عند التقاط الصورة.

     يمكن للريمورا أن يستعير صورة الإنجاز لبعض الوقت، لكنه لن يستطيع استعارة سنواته. فالناس قد ترى لحظة الحصاد، لكن الشجرة لا تعرف إلا من غرسها، وسقاها، وصبر عليها حتى أثمرت.