وهم المعرفة: عن الذين نعرف أخبارهم ونجهل أحوالهم

آراء

خاص لـ هات بوست: 

الأصدقاء الافتراضيون ليسوا أولئك الذين التقيناهم خلف الشاشات فحسب، بل هم أحيانًا أصدقاؤنا الحقيقيون؛ أولئك الذين تقاسمنا معهم الأيام، والمقاعد، والحكايات فعلًا، ثم اختُزلوا بفعل الزمن والمسافات، وضمن شبكة من الخيارات اليومية المتراكمة، في مجرد “وجود رقمي” باهت. التكنولوجيا هنا لم تكن وحدها الفاعل، بل غدت الملاذ السهل الذي يُلجأ إليه طواعيةً للاكتفاء بالحد الأدنى من الاستثمار العاطفي المتبادل.

الأصدقاء الذين حفظنا نبرات أصواتهم، وضبطنا إيقاع ضحكاتهم، وقرأنا ملامحهم في تعبهم وفرحهم، أصبحنا نقتفي أثرهم اليوم عبر “الستوري”، بقرار كسلٍ عام وغير مكتوب. نطمئن عليهم بلمحة من صورة، أو تحديث عابر، دون حديث حقيقي، ودون ذلك الدفء القديم الذي كان ينبض في العلاقة ليجعلها حيّة؛ وكأن الجميع ارتضى هذه الهدنة الباردة، واختار ترشيد طاقة المبادرة.

المفارقة أن وسائل التواصل لم تُلغِ الآخرين من حياتنا، بل وفّرت الغطاء والمبرر ليغادروها جزئيًا، أو لنغادرها نحن. علقنا جميعًا في ذلك البرزخ الرمادي؛ حضور خفيف يشبه الظل، موجودون بما يكفي لمنع الحنين، وغائبون بما يكفي لتمكين الجفاء. لقد تحولنا في عالمنا الجديد من “شركاء في التجربة” إلى “صنّاع محتوى” يستهلك بعضنا تفاصيل بعض كوجبات سريعة، ونقع في “وهم المعرفة”؛ نظن أننا قريبون لأننا مطلعون، بينما نجهل تمامًا كيف يشعر الآخر خلف كواليس تلك الصور الأنيقة. نحن نعرف الأخبار، لكننا نجهل الأحوال تمامًا، بقرار جماعي صامت.

وربما لا تكمن المشكلة في التكنولوجيا نفسها، بل في هذا التواطؤ الضمني على قبول الحضور الهشّ كبديل كافٍ؛ أن نكتفي بالمشاهدة بدلًا من السؤال، وبالمتابعة بدلًا من اللقاء، وبمعرفة الأخبار بدلًا من مشاركة الحياة. حتى المبادرة أصابها الاغتراب؛ أصبح الاتصال الهاتفي المفاجئ يسبب حرجًا، وصار إرسال رمز تعبيري سريع هو الحد الأقصى لما يقدر المرء على بذله للحفاظ على الود وسط زحام الحياة، وتصاعد كلفة التواصل الإنساني.

لكن الوجه الأكثر وضوحًا لهذا الاغتراب يظهر عندما يتوقف، فجأة، ذلك التدفق التلقائي للمبادرات التي تشدّ خيوط العلاقات قبل أن تسقط. وهنا تقع المفارقة الكبرى: بمجرد أن تتوقف حركة طرف واحد، يتوقف الإيقاع تمامًا؛ لتكشف هذه اللحظة أن كثيرًا من روابطنا اليوم باتت تفتقر إلى التوازن، وأن استمرارها كان معتمدًا على مجهود أحادي يدفع صاحبه كلفة الحفاظ على الرابطة، في حين يرتضي الطرف الآخر مقاعد المتفرجين خلف الشاشات؛ ليس بالضرورة جفاءً، بل بوصفه خيارًا مريحًا وموفرًا للطاقة الوجدانية المستنزفة في معارك الحياة الأخرى.

والأنكى من ذلك أن هذا الركود العاطفي يتسلل حتى إلى اللقاءات النادرة التي تحدث بعد طول غياب. إذ لم تعد دائمًا مساحات لتبادل المودة العفوية، بل تتحول، في كثير من الأحيان، إلى ساحات محمّلة بـ”العتاب المبطن وتبادل الملامة”. يبدأ اللقاء بطرح جبال من الظروف والضغوط لتبرير الصمت، وكأن الغياب أصبح بحاجة إلى صكّ معاناة حصري يُرفع في وجه الآخر لتبرير الانقطاع. وفي هذه الأجواء، تُطمس حقيقة أن الجميع يمر بظروفه، وتطحنه الأيام، وأن الجهد المبذول سابقًا للاستمرار، رغم كل شيء، كان استثناءً مدفوعًا بحرص خاص على بقاء الود، وليس فائض رفاهية يُطالب صاحبه بتقديمه دون مقابل أو توازن.

حتى أعمق المشاعر الإنسانية وأكثرها قدسية، جرى تسليعها وتجريدها من قيمتها بقرار الاكتفاء بالأداة الرقمية؛ ففي لحظات الفقد والكسر، غابت المواساة الحيّة، وحلّت محلها رسائل جامدة، معلبة، ومستنسخة، تُرسل بنقرة زر واحدة. رسائل خالية من الروح، تُرسل لتأدية “واجب رقمي” وإسقاط العتب توفيرًا للجهد الإنساني، لا لمسح دمعة أو جبر خاطر.

غدا الصمت الطويل مألوفًا، وصار الاطمئنان مجرد “رصد للحركة” على الشاشة. وفي لحظة صدق، نكتشف أن هذه العلاقات لم تمت، ولم تنتهِ بفعل الآلة، بل جُمّدت في قالب رقمي بقرار بشري، كنسخة مخففة ومعدّلة من شيء كان يومًا حقيقيًا وصاخبًا بالمسرات.

في الماضي، كان للغياب جلاله؛ كان غيابًا كاملًا يورث الشوق أو يمهّد للنسيان الشافي. أما اليوم، فنحن نعيش لعنة الحضور المعلّق. نحن مجرد نقاط مضيئة على شاشات بعضنا بعضًا، نلمع في الظلام لثوانٍ، ثم يبتلعنا التمرير السريع. محاطون بـ”متابعين صامتين” لحياتنا، وبقايا أصدقاء يمرّون علينا مرورًا عابرًا كمنشور، يعرفون عنّا الكثير، دون أن يملكوا في واقعنا شيئًا.

ومن هنا تنبع تلك الوحدة الغريبة، رغم زحام الأسماء في القائمة. فالقرب ليس في عدد المشاهدات ولا في رصد التحديثات؛ القرب الحقيقي هو ذلك الشعور النادر بأن هناك من ما زال مستعدًا، بقرار نابع من إرادته، لقطع المسافة والإنصات إليك، لا مجرد مشاهدة حياتك

خلف الشاشات، وانتظار أن تظل أنت دائمًا من يدفع ضريبة البقاء.