ليسوا مجرّد عابرين

آراء

خاص لـ هات بوست:

     كنتُ في محل عطور ذات يوم. لم أفعل الكثير خلال كلامي مع الموظف، تلطّفتُ في حديثي وابتسمتُ فقط.

قال لي قبل أن أخرج: مثلكِ (يحلّي) يومنا المليء بجمود ورسمية الزبائن. وأهداني حينها الكثير من الدعاء الطيب.

     موقفٌ عابرٌ وغير استثنائيّ – حدث منذ بضع سنوات – ومثله مواقف عديدة ومختلفة يتجاوزها بعضنا بمجرد انتهائها. لكن، هل فكرنا أن نتوقف قليلًا ونتمعن فيها وفي هؤلاء العابرين؟ في تأثيرنا عليهم أو تأثيرهم علينا.

يحيلنا مفهوم “أثر الفراشة” (Butterfly Effect) إلى كيفية قيام لفتاتٍ صغيرةٍ في السلوك أو البيئة بإحداث تأثيراتٍ واسعةٍ وعميقة.

     ولعلي أستعير هذا المفهوم في المواقف العابرة التي نمر بها مع من نعتبرهم غرباء، والتي تترك أثرًا قد يرافقنا أو يرافقهم لفترة طويلة، ليذكّرنا بانعكاس اللطف، وبأن الإنسانية مساحةٌ مشتَرَكةٌ نتبادل فيها الدفء دون تخطيط، ويُخلِّف كلٌّ منا شيئًا جميلًا في روح الآخر.

بعبارةٍ أخرى، نحن نحمل طاقاتنا معنا أينما حللنا، وبإمكان سلوكٍ دافئٍ وشفافٍ أن يغيّر إيقاع المكان ويمنح الآخرين شعورًا بتقديرٍ إنسانيٍّ خالصٍ يستحقونه.

     من ناحية أخرى، نحن نغفل أحيانًا عن حقيقة المكابدة الحياتية التي يخوضها الآخرون وكم تُجهِدُهم أيامهم، وعن حاجتهم لتَرْبيتَةٍ نفسيةٍ بسيطةٍ في لحظةٍ ما من يومهم، فكلمةٌ طيبةٌ أو ابتسامةٌ غير متكلّفة قد تكون هي النقطة الفاصلة التي تُسعِد شخصًا… أو تنقذه، وفي المقابل، فإننا نحصل في ذات الوقت على حصّتنا من هذا الترميم، ويلتئم جزءٌ منا.

     مواقف بسيطة، لا تستغرق سوى دقائق أو ربما ثوانٍ من عمر الزمن، مع أشخاص لا أعرفهم ولا يعرفونني، لكنني لا أتجاوزها سريعًا، إذ أجد نفسي وقد توقفتُ أمامها، لأتمعّن في لطافتها، وأستلذّ بمعانيها الإنسانية النقية، وتظل تراودني بين الحين والآخر، وكأنها تسعى لإثبات وجودها على خارطة ذاكرتي. مثل هذه المواقف، وإن بدت عابرة، إلا أنها تشكّل نسيجًا دافئًا لجزءٍ من ذاكرتنا، وتذكّرنا دائمًا بأن اللطف أصيلٌ في فعله، ممتدٌّ في أثره، وأن التفاعل الإنسانيّ النقيّ يعمل كدرعٍ يحمي أرواحنا من أن تتطبع بقسوة الإيقاع اليومي المزدحم، وأن التفاصيل الصغيرة والمعاني الهادئة تستحق الانتباه والاحتفاء، وتستحق ألا تضيع وسط صخب الحياة.

وآخِر القول..

ليسوا مجرّد عابرين، إنهم مستقرون في وجداننا بشكلٍ ما.