كاتب وإعلامي إماراتي
خاص لـ هات بوست:
وقفتُ عند لافتة “ممشى السعديات” أقرأ الاسم أكثر من مرة، وأتساءل: لماذا يستوقفني حرف عربي بسيط في مكان يستقبل زواراً من كل أنحاء العالم؟ ثم أدركت أن السؤال نفسه هو الإجابة. فمن ممشى السعديات إلى منارتها، ومن دار الفنون إلى مراسيها، اختارت الجزيرة أن تتحدث بلغتها، لا أن تستعير لغة غيرها لتبدو عالمية.
تسمية المرافق العامة قد تبدو للبعض تفصيلاً شكلياً، لكنها في الحقيقة قرار ثقافي. فالاسم يحمل ذاكرة ورسالة، وهو جزء من الشخصية التي تريد المدينة أن تقدمها لسكانها وزوارها. ولم يكن اختيار هذه الأسماء العربية عفوياً، بل يعكس وعياً بأن اللغة ليست أداة تواصل فقط، بل وعاء للهوية والانتماء.
واللافت أن هذا الحضور العربي لا يأتي في مشروع محلي منغلق، بل في قلب واحدة من أكثر الوجهات الثقافية العالمية انفتاحاً. فالجزيرة تحتضن متحف اللوفر أبوظبي، وتستعد لاحتضان جوجنهايم أبوظبي، وفي الوقت نفسه تحرص على أن تبقى أسماء ساحاتها وممشاها ومنارتها عربية بامتياز. وكأن أبوظبي تقول للعالم إن الانفتاح الحقيقي لا يبدأ بالتخلي عن الهوية، بل بالثقة بها؛ فمن يعرف نفسه جيداً لا يخشى استقبال الآخر.
هذه هي الفلسفة التي ميزت التجربة الإماراتية؛ لا انغلاق باسم الأصالة، ولا ذوبان باسم الحداثة، بل قدرة على الجمع بين الاثنين. فالمتاحف وحدها لا تصنع مدينة ثقافية، والمباني المبهرة لا تكفي لصناعة هوية. الهوية تُبنى أيضاً بالكلمات، وبالأسماء، وباللغة التي يخاطب بها المكان أهله وزواره.
وإني لعلى يقين أن تصمد هذه الثقة اللغوية حين تتوسع أبوظبي أكثر، وتستقبل مؤسسات ومشاريع عالمية جديدة، فالإسم العربي، مثل كل هوية، يحتاج إلى حراسة متجددة كي لا يذوب في الزحام.
