د. سليمان الهتلان
د. سليمان الهتلان
كاتب وإعلامي إماراتي

حين يصبح الوفاء موقفاً: محمد بن زايد في الكويت

آراء

خاص لـ هات بوست:

     حين غدر صدام حسين ونظامه، في لحظة حماقة، بدولة الكويت الشقيقة، وباغتوها ذات فجرٍ مشؤوم، لم تتردد الإمارات لحظة، فقد كانت على أهبة الجاهزية لنصرة الأشقاء، حيث ارتدى الشيخ الشجاع بدلته العسكرية، وأخذ، مع قادة جيش بلاده، يجهّز الصفوف استعداداً للمشاركة في معركة التحرير. هذا الموقف لم يكن عابراً، بل عقيدة راسخة: الكويت شقيقة، ودمها من دمنا.
مرّت السنون، وتبدّلت الوجوه والملفات، لكن الثابت الوحيد لم يتبدّل؛ فقد كان صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، وما زال، حاضراً مع الكويت في أوقات الرخاء وأوقات الشدة. هو القائد الكبير الوفيّ لأصدقاء بلاده، فما بالك بدولةٍ شقيقة تجمعنا بها وبأهلها تاريخ من المحبة والتعاون والتآزر.

وقد جاءت زيارة سموّه، مؤخرًا، للكويت، في توقيتٍ بالغ الدقة، وسط ظروف إقليمية تتسم بحساسية أمنية متزايدة، لتحمل رسالة واضحة تؤكد ثبات الموقف وصلابة الالتزام، وتعكس نهجًا راسخًا في الوفاء بالأشقاء. ولم تكن هذه الخطوة مستغربة من قائدٍ واجه بحزم كل المحاولات الرامية إلى المساس بأمن الخليج واستقراره، فهي تعكس شجاعة القائد الذي لا يزن قراراته بحسابات المخاطر، بل يمضي وفق ما يمليه الواجب، ويترجم بالأفعال عمق الأخوة ووحدة المصير.

فالشجاعة ليست كلاماً، بل أفعال، وكثيرون يجيدون الخطابة حين تهدأ العواصف، ويختفون حين تشتدّ، أما الفارس الحقيقي فيُعرف حين يشتدّ الوطيس. وقد تجسّد ذلك عندما طار صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد إلى الكويت في لحظةٍ تردّد فيها كثيرون، لأن الوفاء عنده لا ينتظر أن تصفو الأجواء، فحضوره في تلك اللحظة بالذات هو جوهر المعنى: أن تقف إلى جانب أخيك حين يكون الوقوف مكلفاً، لا حين يكون مريحاً.

في هذه الزيارة درسٌ يتجاوز الكويت والإمارات معاً، درسٌ في معنى القيادة حين تتعرّى من الشعارات. فالقائد ليس من يُدير الأزمات من بعيد، بل من يضع نفسه في قلبها. ليس من يكتفي بالبيانات، بل من يترجم الكلمة إلى موقف، والموقف إلى حضور.

إنها الفروسية العربية الأصيلة في أنقى صورها: وعيٌ وثقة ونُبل وشجاعة، وقيمٌ نظنّ أحيانًا أنها أصبحت من ماضٍ جميل انقضى، فيأتي محمد بن زايد ليذكّرنا أنها ما زالت حيّة، تتجسّد في رجلٍ يحمل هموم وطنه وأمّته على كتفيه، ويقيس نفسه بمعايير التاريخ لا بمقاييس اللحظة.

إنه محمد بن زايد، الزعيم الذي لا يعلّمنا وحدنا، بل يعلّم العالم كله، معنى الفروسية والذكاء والحكمة والحزم والشجاعة. قائدٌ يدرك أن أمن الخليج كلٌّ لا يتجزأ، وأن الشقيق لا يُترك في العراء، وأن الكلمة الحقّة تُقاس بالفعل الذي يتبعها.

والخليج اليوم يمرّ بمنعطفٍ دقيق، تتقاطع فيه التهديدات والتوترات، وتُختبر فيه المواقف، وفي مثل هذه اللحظات تتكشّف معادنُ القادة الحقيقيين: من يقف ومن يتراجع، من يحضر ومن يكتفي بالمشاهدة، والجواب جاء واضحاً من أبوظبي: نحن هنا، ونحن معكم، ولن نترك الكويت وحدها؛ لتؤكد بذلك أن الوفاء موقف، والشجاعة فعل، وأنها، كعادتها، اختارت أن تكون في الميدان لا منددة بحذر من بعيد!