د. سليمان الهتلان
د. سليمان الهتلان
كاتب وإعلامي إماراتي

مصر التي هزّت وجدان العرب!

آراء

خاص لـ هات بوست:

     لست من أولئك الذين يتابعون كرة القدم بشغف، ولا أدّعي امتلاك القدرة على تقديم تحليل فني للمباريات أو تقييم أداء المنتخبات. لكن بعض المباريات تتجاوز حدود الرياضة، وتتحول إلى لحظة إنسانية ووطنية تستحق المتابعة، وهذا ما دفعني إلى الحرص على مشاهدة مباراة مصر والأرجنتين على ملعب مرسيدس بنز في أتلانتا، ضمن دور الـ16 من كأس العالم.

     لسبب يصعب تفسيره، أشعر دائماً أن المنتخب المصري ليس منتخب دولة شقيقة فحسب، بل فريق نمثّل جميعاً جزءاً من جمهوره. وأعتقد أن هذا الإحساس يشاركني فيه كثير من العرب. ففي كل مواجهة يخوضها المنتخب المصري أمام الكبار، يصبح الانتماء أوسع من حدود الجغرافيا، وتتحول المدرجات العربية، ولو كانت بعيدة، إلى مساحة تشجيع واحدة. في تلك اللحظات أشعر وكأنني أشجع فريقي الوطني؛ أصفق لكل هجمة، وأتوتر مع كل فرصة ضائعة، وأغضب مع كل قرار تحكيمي أراه مجحفاً، حتى أكاد أخاطب الحكم قائلاً: “اتق الله يا رجل!”

     ذلك لأن مصر ليست اسماً عادياً في الوجدان العربي. إنها تاريخ وحضارة، وثقافة وفن، وذاكرة مشتركة تشكلت عبر عقود طويلة. وحين تحضر مصر في المحافل الكبرى، فإنها لا تمثل نفسها وحدها، بل تحمل معها شيئاً من مشاعر ملايين العرب الذين تربوا على حبها والإعجاب بإسهاماتها.

     وما جرى على ملعب مرسيدس بنز في أتلانتا كان يستحق كل هذا الشغف. وليلة أمس، وقف الفراعنة في وجه الأرجنتين، حاملة لقب العالم، وقاتلوا بقلوب لا تعرف الاستسلام حتى آخر دقيقة، فانتزعوا إعجاب كل من شاهدهم، حتى من مشجعي الخصم أنفسهم. لم تكن مباراة عابرة، بل كانت مشهداً يستحق أن يُروى: شعب كامل، من القاهرة إلى الخليج إلى أقصى المغرب العربي، يقف خلف أحد عشر لاعباً وكأنهم أبناؤه جميعاً.

     فليست كل الانتصارات تُقاس بعدد الأهداف، ولا كل الهزائم تُقاس بالنتيجة. وكسب أبناء مصر، رغم كل شيء، ما هو أثمن من كأس: احترام العالم، وفخر أمة بأكملها، وثقة جديدة بأن الفارق بين الكبار والطامحين لا يُختصر في الأسماء، بل في الجرأة والانضباط والإيمان بالنفس.

     فارفعوا رؤوسكم يا أهل الكنانة، خسرتم النتيجة وكسبتم الهيبة، وذكّرتم العالم بأن هيبة المنتخبات الكبيرة لا تعني استحالة منافستها. بل خرج منتخب مصر أمس أكثر خبرة وهيبة نافس بجدارة وتفوق بثقة.

     ليلة البارحة صفقت للمنتخب المصري من كل قلبي، ولم أشعر للحظة أن هذا التصفيق كان مجاملة، فبعض الفرق تخسر مباراة وتكسب أمة، وذلك انتصار لا يقل قيمة عن أي كأس!