كاتب وإعلامي إماراتي
خاص لـ هات بوست:
في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، لا تحتاج الأكاذيب إلى أدلة كي تنتشر. يكفي أن تُكرَّر بما يكفي حتى يظن البعض أنها حقيقة.
ومن أكثر الأمثلة وضوحاً على ذلك كذبة«الديانة الإبراهيمية»، مصطلح جرى تداوله بكثافة خلال السنوات الماضية حتى اعتقد كثيرون أنه مشروع قائم أو عقيدة جديدة. والحقيقة أن هذا الاسم لم تتبنّه دولة الإمارات يوماً، ولم يرد في أي وثيقة رسمية أو مبادرة حكومية، بل هو توصيف اختلقه خصوم مشروع «بيت العائلة الإبراهيمية» ثم بنوا عليه حملة كاملة من الاتهامات والتحريض.
وقد أعاد الأستاذ محمد الحمادي هذا الموضوع إلى الواجهة عندما سأل الكاتب المصري إبراهيم عيسى، في برنامجه «بالمنطق» على قناة سكاي نيوز عربية، سؤالاً مباشراً: ما المقصود بما يسمى «الديانة الإبراهيمية»؟ سؤال كشف هشاشة الرواية التي رُوِّجت طوال سنوات، إذ يصعب تعريف شيء لا وجود له أصلاً إلا في الخطاب الإخواني الدعائي. وحين تُسأل عن مصدر هذا المصطلح أو أول من تبنّاه رسمياً، لا تجد جواباً واضحاً، وهذا وحده كافٍ لكشف طبيعته.
أما مشروع «بيت العائلة الإبراهيمية» نفسه، فلا يحمل أي دعوة إلى دمج الأديان أو إنشاء دين جديد. فكرته مختلفة تماماً: إبراز إمكانية التعايش والاحترام المتبادل بين أتباع الديانات السماوية الثلاث. ويضم المشروع مسجداً وكنيسة وكنيساً، يحتفظ كل منها بعقيدته واستقلاله الكامل.
وليس هذا المفهوم غريباً عن تاريخ منطقتنا، فقد عرفت مدن عربية وإسلامية عديدة عبر قرون طويلة صوراً من التعايش بين أتباع الديانات المختلفة، دون أن يعني ذلك ذوبان العقائد أو اختفاء الفوارق الدينية؛ فمدن مثل القدس والقاهرة ودمشق وغيرها احتضنت مثل هذا النموذج منذ قرون.
الجديد إذن ليس فكرة التعايش، بل محاولة تصويرها اليوم على أنها مؤامرة تستهدف الدين.
فالقضية كانت امتداداً لصراع أيديولوجي لا خلافاً دينياً؛ بعض التيارات السياسية بنت خطابها لعقود على تصوير العلاقة مع المختلف دينياً أو ثقافياً باعتبارها تهديداً دائماً، وأي نموذج عملي يثبت إمكانية التعايش السلمي يضعف هذا الخطاب. ولهذا جرى اختراع مصطلح «الديانة الإبراهيمية» وإلباس المشروع ما لم يقله أصحابه يوماً؛ فبدلاً من مناقشته كما هو، جرى اختراع مشروع آخر ثم مهاجمته. إنها إحدى أقدم وسائل الدعاية: تشويه الفكرة قبل مناقشتها، وبناء خصمٍ وهمي يسهل مهاجمته أمام الجمهور.
لكن الجمهور بات أكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية، يسأل عن المصادر ويقارن بين الادعاءات والوقائع، وهذا وحده كفيل بأن يفقد كثيراً من السرديات الأيديولوجية بريقها.
لقد اختارت الإمارات منذ سنوات أن تجعل التسامح والتعايش جزءاً من مشروعها الحضاري، لا بوصفهما شعارين إعلاميين، بل ركيزة للاستقرار والانفتاح على العالم، وبناء النقاش على وقائع صحيحة يظل شرطاً أساسياً لأي حوار جاد.
وصناعة المصطلحات الوهمية، ثم تحويلها إلى مادة للتحريض، لا تخدم الدين ولا المعرفة، بل تعمق الانقسام وتشوّش وعي الناس.
وبين مشروع يبني جسور التواصل بين الناس، وخطاب يصر على صناعة الخصومات والأوهام، يبقى المستقبل دائماً أقرب إلى من يستثمر في الإنسان، لا إلى من يستثمر في الخوف!
