خاص لـ هات بوست:
ينشغل العالم بالذكاء الصنعي وإنجازاته، فيتغنى عالم الطب بالتقدم الذي يمكن تحقيقه على صعيد شفاء بعض الأمراض المستعصية، إضافة لتطور نوعي بشكل عام، كذلك فإن تقدماً هائلاً حصل في مجالات عدة من برمجيات وإعلام واقتصاد وتعليم وغيرها، لدرجة أن هنالك من يحذر من احتمال تطوير أنظمة فائقة القدرة لا يمكن السيطرة عليها مستقبلاً.
ربما نشعر بشيء من الفخر لما توصل إليه الإنسان، سواء كنا مشاركين أو متفرجين أو مستهلكين، (أصنف نفسي ضمن الجماعة الثالثة)، ونتفاءل خيراً حين نرى جيل الشباب في بلادنا مندفعين لنهل العلم بأقصى ما يستطيعون من جد واجتهاد، إلا أن كثيراً من الخيبة تجتاحنا عندما نرى ونسمع بعض ما يشد الركب إلى الوراء، فهذا شاب يدعو إلى عدم خروج النساء من بيوتهن، ولا داع لتعلمهن أو ليتعلمن على يد نسوة في البيوت، وإن اضطرت إحداهن لعلاج ما، فستجد “كافرة” تعلمت لتذهب إليها.
ولو أن الأمر بقي قيد محيط هذا الشاب لكان الأمر سهلاً، إلا أن “الكافرين” أتاحوا وسائل التواصل للجميع، ليتسنى للمجتمع التنعم بهذه الآراء “القيّمة”.
وفي الفضاء ذاته، تخصص محاضرات “علمية” لتوزيع: يجوز ولا يجوز، سيما في مجال التجميل وتوابعه، حيث تتطور الفتاوى وفق حاجة الأسواق و “الترند”، والممنوع يلقى رواجاً مضاعفاً فيما إذا تعلق بالنساء وأمورهن.
لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف أن المسألة في معظم الحالات، عرض وطلب، فلو لم يكن هناك استفتاء لما وجدت الفتوى، ولولا أن الناس اعتادوا على السؤال عما هو مسموح لما تطلب الأمر وجود تحذيرات، فهاجس الممنوع لدينا هو السائد، وكأن حياتنا كلها حرام حتى نحتاج السؤال عما إذا كان تصحيح منظر الأسنان مسموح لنا أم أننا سنغضب رب العالمين؟
هنا يكمن سؤال يطرح نفسه: هل المشكلة في صورتنا عن الله تعالى؟ هل خالق هذا الكون بعظمته وجلاله ودقته اللامتناهية يتربص بنا (حاشاه)، ينتظر عثراتنا ليعذبنا، أم أنه خلقنا لنعمر هذه الأرض ونعيش حياة هانئة قدر استطاعتنا على ألا نسيء لأحد؟
هل هذا الكم الهائل من المحرمات والقياسات لها أساس في كتاب الله؟ نعود إلى التنزيل الحكيم لنجد الحرام بيد الله تعالى ولا أحد غيره {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ}(النحل 116)، والحرام أغلق مع اكتمال الدين وإتمام النعمة {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ} (المائدة 3)، دين الإسلام الذي اعتمده الله لكل الناس منذ بدء الرسالات مع نوح حتى محمد (ص) والقائم على الإيمان بالله الواحد والعمل الصالح {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت 33)، والنعمة التي أتمها هي رسالة محمد التي رفعت الإصر والأغلال المتواجدة في الشرائع السابقة لها، لتحل الرحمة مكانها {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء 107)، رسالة خاتمة تعلن صلاحية الإنسانية للتشريع لنفسها، وفق خطوط عريضة يتفق عليها جميع الناس أينما كانوا حتى قيام الساعة، قوامها الإحسان للغير وعدم المساس بحقوق الآخرين.
أما موضوع المرأة فيبقى الشغل الشاغل لحراس الفضيلة، علينا تذكيرهم باستمرار بأن الأنثى كيان مستقل غير مرتبط بالذكر إلا من باب الشراكة، لم تخلق من ضلعه وليس مسؤولاً عنها، وقوامته عليها وفق كفاءته بقدر قوامتها عليه وفق كفاءتها {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ } (النساء 34) ولا يخفى على القارىء الكريم أن “بعضهم على بعض” و”إنفاق الأموال” تشمل الجنسين.
وإن أمر الله تعالى المرأة بألا تقرب الفاحشة أمر الرجل أيضاً، وأمرهما معاً بغض البصر، وإن كنت لا تستطيع التحكم بغرائزك فلتحجر على نفسك، وتهذب أخلاقك، وما عدا ذلك {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}(المدثر 38)، فدعو الخلق للخالق جل وعلا هو يحاسبهم، يرحمهم برحمته التي وسعت كل شيء أو يعذبهم {عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} (الأعراف 156).
في بلد أنهكته الحرب كبلدي، نحن أحوج ما نكون للالتفات إلى العلم واللحاق بركب الحضارة، ولنتذكر دائماً عدد المرات التي ذكرت فيها مفردات كـ “يعلمون” و”يفقهون” و “يتفكرون” في التنزيل الحكيم، كذلك لا بد من ترميم الجراح بدل العيش تحت وطأة تعقيدات تنسب إلى الإسلام زوراً وبهتاناً، ولنتذكر أيضاً أن الله تعالى وضع “فليتلطف” لتكون الكلمة التي تتوسط التنزيل الحكيم بكل مفرداته وآياته وسوره، فلنتلطف بالعباد رأفة ببلدنا.
