في ذكرى الهجرة

آراء

خاص لـ هات بوست:

     بدأ العام الهجري الجديد، كل عام وأنتم بخير، العام 1448 لهجرة الرسول (ص) من مكة إلى المدينة، بغض النظر عما إذا كانت الأشهر في موقعها الصحيح أم لا، فنحن قد ابتعدنا عن زمن الرسول أكثر من ألف وأربعمائة عام، وعن موته أيضاً، وما زلنا لليوم نلوك بما جرى يوم السقيفة، ومن حضر الموت ومن لم يحضر، وهل وكل الرسول أبا بكر بإمامة الصلاة أم أمّها أبو بكر من تلقاء نفسه، ومدى صحة حديث الكساء من عدمه، نؤلف الكتب ونلقي المحاضرات وكأن ما جرى هو حدث الساعة، وكأن حياتنا من الرفاهية بمكان بحيث لا ينقصها سوى اجترار أحداث قديمة لندخل عليها بعضاً من التشويق.

     لكن من يرى انعكاس تلك الأحداث على حياتنا اليوم يستطيع تفهم مدى اهتمامنا بها، فجل معاركنا تقوم على أسس طائفية، أو أنها تستند إلى دغدغة الإنتماء الطائفي لتجييش العوام ضد بعضهم البعض.

     على أنه من الممتع استخلاص قصص من التاريخ، لننسج منها حكايات تصلح لمناهج دراسية أو أفلام وثائقية نتعرف من خلالها على شخصيات وأماكن وحقب قديمة شكلت تراثنا، ولننظر إليها بعين محايدة ربما تعتز هنا وتخجل هناك، لكنها متصالحة مع تاريخها بكل ما يحمله من غث وسمين، أما أن نتقمص تاريخنا ونعيشه اليوم بكل مصائبه فهذا قمة الشح الفكري، فكيف وأننا نتحزب ونتعصب ونحارب ونقاتل بناء على أحداث أكل عليها الماضي وشرب، ولو عاد أصحابها الأصليون اليوم لبهتوا من هؤلاء القوم الذين يتصارعون باسمهم، وهم غالباً كانوا أصحاباً وأنسباءاً وأصهاراً فيما بينهم، ولو خطر في بال أحدهم أن بعد مئات السنين هناك من سيموت دفاعاً عن حقه في الخلافة لزهد بها وترك الجمل بما حمل.

     لكن الصراع لا يتعلق دائماً بخلاف بين مذهبين أو أكثر، فلن نعدم الوسيلة لإيجاد فروقات بين أصحاب المذهب الواحد، والاقتتال بناء عليها، أو لنقل أن من يريد الاستفادة من انقساماتنا فسيجد أرضاً خصبة مستعدة للانطلاق منها دفاعاً عن “الله ورسوله”.

     رب سؤال دائم يطرح نفسه هنا: هل الله تعالى بحاجة لمن يدافع عنه (حاشاه) وهو القائل {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا –} (الحج 40)؟ وهل الرسول (ص) لو كان حياً سيقبل بانقسام الناس تحت أي حجة؟

     وباعتبار أن المناسبة هي هجرة الرسول إلى يثرب، فمن الضروري التذكير أنه أسس مدينته على التعددية، ومن ثم سماها “المدينة”، فقد حوت المهاجرين والأنصار، والمؤمنين والمشركين والنصارى واليهود والمنافقين، بتعايش كامل تحت قانون واحد يعاقب على تجاوز المحرمات، ليس إلا، أما العقيدة فقانون المدينة {لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ*—- لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} (الكافرون 2- 6)، ولا علاقة للسلطة بدين الإنسان وفق سند واضح {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} (البقرة 256)، والآيات المتعلقة بحرية الإختيار بين الإيمان والكفر كثيرة لا يتسع المقام لذكرها كلها.

     وتجدر الإشارة هنا إلى أن النساء كان لهن وجود في ذلك المجتمع، ولسن نكرات، بل أن الرسول قد بايعهن بشكل مباشر دون أولياء أو وكلاء، وإن لم يكن باستطاعته إحداث قفزة في تحرر المرأة نظراً لطبيعة العصر، فقد أسس التنزيل الحكيم للمساواة من خلال خطاب موحد {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ—} (الأحزاب 35)، والتساوي في أصل الخلق {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} (النساء 1) إن لم نفترض أن النفس الواحدة هي أنثى مثلاً، والتساوي في التكريم على أساس التقوى في الدنيا والتساوي في الأجر على أساس العمل الصالح في الآخرة {يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات 13).

     والرسول لم يعاقب على النوايا ولم يشجع على الانتقامات الفردية بل وضع العفو والصفح في قمة القيم لبناء مجتمع جديد سليم، أما الغزوات وقتاله (ص) للمشركين فلكل غزوة أسبابها وفي أغلبها لم يكن المسلمون المؤمنون هم المعتدون، بل دافعوا عن أنفسهم وفق منطق عصرهم وحروبه، والقتال في التنزيل الحكيم “كره” وله شروطه مع تفضيل “السلم”، وكل الصراعات التي حدثت بعد وفاة كانت السياسة محركها الرئيسي، مع حسن نية أصحابها في معظم الحالات، علماً أن أهل الكتاب ليسوا “مشركين”، وأننا اليوم نعيش في عصر مختلف كلياً له قوانينه ومعاهداته ويفترض “عقوده الاجتماعية”.

     خلاصة القول، في ذكرى الهجرة لنحيي مجتمع المدينة، بعيداً عن الطوائف والملل، ولنترك الدين لله والأوطان للجميع، تأسياً برسولنا الكريم، فالدين وجد لراحة النفس والتعامل مع الآخر وفق قيم إنسانية عليا، لا لإشعال الحروب والفتن، سيما ولدينا تحديات حقيقية في الحاضر والمستقبل، ومن العبث أن نبقى أسرى صراعات عمرها أكثر من ألف عام بينما نحن بحاجة إلى العلم والعمل وبناء الإنسان.