خاص لـ هات بوست:
قرأتُ منشورًا لأحد الأصدقاء، يطرح فكرةً جديرةً بالاهتمام والتفكيك، فحواها أن الصبر هو مقياس الحُبّ والسعادة في العلاقات، كصبر الزوج على زوجه، والأم على تربية أبنائها، والأب على مشاق العمل ومتطلبات الحياة.
وضرب الكاتب مثالَين: أولهما حادثة قصعة الطعام التي أوقعتها أمنا عائشة غيرةً، ورد فعل رسولنا الكريم الصبور والمتفهّم، وثانيهما قصة سيدنا موسى والعبد الصالح التي ذُكِرَت في القرآن الكريم، والتي وضع فيها العبد الصالح الصبر شرطًا رئيسًا للسماح لسيدنا موسى باتّباعه.
مرتبة الصبر في سلم الأولويات:
في تقديري، لا تستقيم الحياة الزوجية بالصبر فقط، فالصبر وحده ليس مقياسًا ولا أولويةً ما لم يرتبط بمعايير أخرى، كرصيد الطرف الآخر، وطبيعة السلوكيات والمواقف التي نواجهها.
إن العلاقات الإنسانية تُبنى على التراكم والتبادلية، وحين يبدر خطأٌ أو مسلكٌ مسيءٌ من شريكٍ يملك رصيدًا من المودة، والتفهم، والدعم الممتد، يكون الصبر هنا مظهرًا من مظاهر الوفاء والتقدير لـ “المعدن الأصيل”. أما الصبر على شريكٍ رصيده فارغ، أو شحيحُ المودة، فإنه يتحول إلى استنزافٍ مجانيّ، وأشبه بمن يستثمر في أرضٍ بورٍ لا تثمر شيئًا.
من زاويةٍ أخرى، فإن الصبر كقيمةٍ أخلاقيةٍ محمودٌ ومطلوب، لكن دون إطلاق، إذ لا يمكن إسباغ صفة “الفضيلة” على سلوكٍ ينال من إنسانية الإنسان أو كرامته، ومن هنا يكون الصبر مذمومًا في المواضع التي تتطلب موقفًا حاسمًا أو تلزمنا تنازلًا جسيمًا يمسُّ سلامنا النفسي وقيمتنا الذاتية.
وتأسيسًا على ما سلف، يصح القول إن الصبر ليس واجبًا أخلاقيًّا مطلقًا أو صكًّا مفتوحًا بلا شروط، إنه ممارسةٌ واعيةٌ وذكية لإدارة الأزمات والحفاظ على سكينة الحياة، لا غايةً في ذاتها لضمان الاستمرار. فالصبر لا يعني قبول الأمر الواقع مهما كان مسيئًا أو مؤذيًا أو مخلًّا بأسس العلاقة، بل يعني منح مساحة لمراجعة النفس والإصلاح، وهذا هو الفارق الجوهري بين الصبر البنّاء والصبر الهدّام.
فالصبر البنّاء (المثمر) ينظر إلى المستقبل، وله أفقٌ واضحٌ ومآلٌ منطقيٌّ يتطلّع إليه الطرفان، إنه مهلةٌ زمنيةٌ يمنحها الطرف المتضرر، تمكينًا لفرصة الإصلاح، مع وجود مؤشراتٍ حقيقيةٍ على رغبة الآخر في التغيير، واتخاذ خطواتٍ عمليةٍ ملموسةٍ بالفعل. أما الصبر الهدّام (المخدِّر) فبِلا رؤيةٍ مستقبلية، بل مجرد مداهنةٍ للإساءة واستسلامٍ للأمر الواقع دون أفقٍ للحل، ليستحيل بمرور الوقت إلى تنازلٍ ينهش نفسية الإنسان وكرامته، وينقلب من فضيلةٍ إلى آليةٍ دفاعيةٍ مدمّرة للذات.
ولعل خاتمة قصة العبد الصالح مع سيدنا موسى خير شاهد على هذا المعنى، عندما قال له بعد استنفاد فرصه الثلاث: “… هَـٰذَا فِرَاقُ بَیۡنِی وَبَیۡنِكَۚ …”، فهي تعبّر عن الصبر الواعي باعتباره قيمةً إيجابيةً تظل مرتبطةً بسلوك الآخر وجدّيته في تصحيح الخلل، وحفظ جوهر العلاقة الإنسانية.
كما أنَّ تخيير رسولنا الكريم أزواجه – بأمرٍ إلهي – بين البقاء معه والرضا بضيق العيش زهدًا في الدنيا، أو تسريحهنّ لطلب زينتها، يحمل دلالةً أخرى على أنَّ الصبر ليس محمودًا على إطلاقه، وأنَّ الفراق قد يكون أحيانًا مَخرجًا نبيلًا وخَيارًا كريمًا، فهذا الموقف النبوي يؤصّل لفكرة أن العلاقات – حتى أقدسها وأعلاها مقامًا كبيت النبوة – لا تُبنى على الإكراه أو الصبر القسري، بل ركيزتها الرضا والاختيار الحر. وحين تتسع الفجوة في الرؤى لدرجةٍ تمس جوهر الاستقرار النفسي وبنيان العلاقة، يكون الفراق بإحسان وجهًا آخر للفضيلة، وهو الحل الأكرم والأنفع للطرفين.
بشكلٍ عام نحن بحاجة إلى هذه العتبة الفاصلة التي يمليها الوعي والتبصّر، لا الغضب والنقمة، وبحاجة إلى شجاعة قول “هذا فراق” حين تصبح ضريبة الاستمرار هي النخر في أسس العلاقة والهوية والكرامة والاستقرار النفسي.
لماذا نصبر؟
إن الصبر في جوهره ليس دافعًا مستقلًا بذاته، بل هو سلوكٌ يظهر نتيجة محركاتٍ خفية:
* الحب: حيث يكون الصبر مدفوعًا برغبةٍ صادقةٍ في حفظ الود مع الآخر، وهو صبرٌ ينبع من القوة والقدرة على التجاوز اللحظي لأجل غايةٍ أسمى.
* وهم الحب: وهو الأخطر، إذ يصبر المرء خشية مواجهة حقيقة أن العلاقة قد استنفدت صلاحيتها، فيغلّف صبره بوهم الحب هربًا من ألم مواجهة الواقع والاعتراف به.
* الضعف (قلة الحيلة): حيث يكون الصبر هو الخيار الوحيد المتاح لانعدام البدائل المادية، أو الاجتماعية، أو النفسية الكفيلة بالخروج. وهنا لا يكون الصبر فضيلةً أخلاقيةً بقدر ما هو تكيفٌ قسريٌّ مع واقعٍ نقف أمامه عاجزين.
إن الاستمرار في علاقةٍ اعتمادًا على “الصبر المجرّد” فقط، ما هو إلا محاولةٌ لصياغة علاقةٍ “بلاستيكية” أو جثةٍ هامدة. فكرامة الإنسان وصحته النفسية هما الأساس الذي تُبنى عليه البيوت وتُدار من خلاله العلاقات، وإذا تداعى هذا الأساس باسم الصبر، فلن يطول الوقت حتى ينهار السقف على الجميع.
ومن ثَمَّ، يبرزُ الواجبُ الأخلاقي في تعميق وعينا بذواتنا وبواعث صبرنا، والموازنة المنصفة بين القيمة الروحية للصبر باعتباره فضيلةً عليا وخُلُقًا شخصيًّا نبيلًا، وبين الواقعية العملية التي تتطلب الحسم وحماية الذات في رحاب العلاقات الإنسانية.
وآخِر القول:
إنها ليست دعوةً إلى التخلي، بل إدراكًا واعيًا وناضجًا بأن “الذات” ليست قربانًا يُقدَّم على مذبح الصبر.
