الجوهرُ الثابت

آراء

خاص لـ هات بوست:

     سألتني ابنتي – كثيرةُ الأسئلة – ذات يوم:

ماذا لو ناديتكِ (ميرة)، وليس (ماما)؟!

كانت المرة الأولى التي أسمع فيها ابنةً تنادي والدها باسمه، في مسلسل (ليالي الحلمية)، حيث دأبت (قمر) على مناداة (زينهم) باسمه المجرّد.

     لم يبدُ لي الأمر حينها مستهجَنًا، رغم أنه غير مألوف ويكسر القالب الاجتماعي المعتاد، ولم أتوقف عنده كثيرًا، ولا عند مواقف مشابهة تكررت لاحقًا في القليل من الأعمال الفنية.

     لكنني توقفت أمام سؤال ابنتي. كنت أعلم أنه سؤالٌ ضمن الكثير مما يزدحم به رأسها، وقد لا يتكرر طرحه، لكنني وجدت نفسي أتمعّن في أبعاد السؤال: ماذا لو نادتني (ميرة) وتراجعت (ماما) إلى الخلف؟!

ما معنى (ماما) أصلًا؟!

     هل هي تعريفٌ يحدد صلة هذه البنت بي وبالعالم، كوني ملاذها الأول الذي تنضوي في حضنه؟ أم استحقاقٌ نابعٌ من تحمل مسؤولية الوفاء بمتطلبات هذه الرسالة من رعايةٍ وتربيةٍ والتزامٍ حقيقيٍ تجاهها؟

     أفهم بالطبع أن البعض قد يستشعر من سؤال ابنتي رغبةً في التمرّد أو نزعةً لإسقاط الهيبة، لكنني لم أشعر بهذا، فلعلها – بحكم مرحلة المراهقة التي تعيشها – أرادت أن تختبر شعور الندية معي، أن تقترب مني خطوةً خارج إطار الواجبات والحقوق التقليدية بين الأم وابنتها، أو ربما رأت فيّ مساحةً آمنةً تسمح لها بطرح سؤال يكسر القالب الاجتماعي المعتاد دون خوفٍ من صدٍّ أو استهجان.

لذا أجبتها بهدوء: “كما تحبين، لا مشكلة عندي في ذلك.”

     قلتُ هذا لأنني أعرف ابنتي حق المعرفة، وأدرك شعورها نحوي ونظرتها لي كأُمٍّ، وأعلم يقينًا أن مكانتي في قلبها ليست مرتبطة بالاسم الذي تناديني به.

     رأيي أن الوظيفة البيولوجية تمنح صفة (الأم)، لكن الأداء الحاني والمسؤولية الحقّة هما ما يمنحان (ماما) كينونتها الوجدانية. (الأم) هي حقيقةٌ ثابتةٌ، أما (ماما) فهي سيرورة ممتدة، وفعلٌ متّصلٌ لا يتوقف. هي الرعاية والغرس، والبناء والاحتواء، هي الالتزام اليومي بالتربية والتوجيه. (ماما) تُكتسب بالعطاء والاستثمار، وأزعم أن هذا ما يؤثر على مدى عمق العلاقة وقوة الترابط بين الأم وأبنائها، وذات الأمر ينطبق على الأب، فالأمومة والأبوة ليستا مجرد رتبةٍ شرفيةٍ، بل هما تعهّدٌ يوميٌّ، وبناءٌ روحيٌّ مستمر. ولهذا تحديدًا نجد بعض الأبناء يملكون (أمًّا وأبًا)، بينما يفتقدون في وجدانهم (أمي وأبي).

     المفارقة أننا بعد انتهاء الحوار سألتها: ها، هل ستنادينني (ميرة) منذ الآن؟ … فقالت سريعًا: لا!

     وكأنها اكتشفت في تلك اللحظة أن (ماما) ليست قيدًا فُرض عليها، بل امتيازٌ عاطفيٌّ يخصها وحدها، وأن (ميرة) مساحةٌ واسعةٌ يشاركها فيها الآخرون، أما (ماما) فهي صكُّ ملكيةٍ حصريٍّ لها، ومساحةٌ حميمةٌ دافئةٌ لا يشاركها فيها أحد.

وآخِر القول..

(ماما) أو (ميرة) .. أنا الجوهرُ الثابتُ في عين ابنتي.