د. سليمان الهتلان
د. سليمان الهتلان
كاتب وإعلامي إماراتي

محمد بن راشد … من الحلم إلى الواقع

آراء

خاص لـ هات بوست:

     قبل نحو عشرين عاماً، كانت نافذة شقتي على شارع الشيخ زايد تطل على هيكل حديدي يزحف نحو الأعلى ببطء. لم يكن أحد متأكداً إلى أين ينتهي، ولا كان الرقم النهائي معلناً. كل أسبوع أجد طابقاً جديداً قد أُضيف، ثم أنصرف إلى يومي.

     كان السؤال الذي يتردد في المجالس آنذاك سؤالاً معقولاً: كيف يُبنى أعلى برج في العالم في الصحراء؟ لم يكن اعتراضاً على الطموح، بل على الجغرافيا. الرمل لا يحمل، والحرارة لا ترحم، والمسافة إلى كل شيء بعيدة.

     ثم توقف الارتفاع، فوجدت نفسي أنظر من نافذتي إلى أعلى بناء في العالم.

     ما تعلمته من تلك التجربة أن الفارق بين الحلم والمشروع ليس في الفكرة، بل فيمن يحملها. الأفكار الكبيرة كثيرة، وأكثرها يموت في اجتماع أو ينام في درج. والفكرة لا تصبح واقعاً إلا إذا وجدت قيادة تؤمن بها، وتحميها من البيروقراطية، وتتابعها حتى تقف على قدميها. ولهذا صارت عبارة لا شيء مستحيلاً في دبي نهج عمل، لا شعاراً يُعلّق على جدار.

     وهنا يظهر الفارق بين نوعين من القادة: من يديرون الحاضر، ومن يصنعون المستقبل. وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم من الفئة الثانية؛ أولئك الذين لا يكتفون بقراءة التحولات، بل يسابقونها، ولا ينتظرون الفرص، بل يصنعونها.

     وما احتاجت إليه مدن كبرى قروناً لتشييده، أنجزته هذه المدينة في بضعة عقود. ولم يكن السر في الأبراج، بل في مشروع ثقافة يرى أن الوقت مورد لا يقل قيمة عن المال، وفي قيادة جريئة آمنت بأن الإنجاز هو المعيار الوحيد للحكم على الأفكار. ولهذا صارت دبي وجهة للمبدعين ورواد الأعمال من مختلف أنحاء العالم.

     اليوم لم يعد أحد يسأل كيف يُبنى برج في الصحراء. صار السؤال: ما الذي سيُبنى بعده؟

     كل عام وسموك بخير، وكل عام والإمارات تمضي بثقة نحو المستقبل.