ذكاءٌ بلا وعي، ورِفقةٌ بلا وجود

آراء

خاص لـ هات بوست :

BRB … لا أذكر متى كانت آخر مرة قرأت فيها هذا المصطلح!

     كان غارقًا في بئر النسيان إلى أن أظهره إلى السطح مرةً أخرى، الدكتور عبدالله السفياني – الكاتب والمفكر السعودي – في سياق كلمةٍ له خلال المؤتمر الدولي للغة العربية والذكاء الاصطناعي، والتي دارت حول ما يفعله الذكاء الاصطناعي برؤيتنا للوجود.

     إلا أنني أذكر جيدًا أنني لم أستسغه يومًا. فأول مرة رأيته أمامي كان مكتوبًا بالحروف العربية، واختلط عليّ الأمر حينها بسبب غياب التشكيل، فقرأته: (بِرَبّ) معتقدةً أنه يتعلق على نحوٍ ما بالله! وغرقت في حيرة آنية، لعجزي عن ربط ما فهمته بسياق المحادثات التي كنت أطالعها!

     إلى أن اكتشفت أنه لفظٌ مُعَرَّب للاختصار (BRB)، والذي يعني: (Be Right Back) أي (سأعود حالًا).

     كانت هذه العبارة – كما ذكّرنا الدكتور عبدالله – تستخدم من قِبَل روّاد (الماسنجر) وقنوات المحادثة كإشارة إلى الابتعاد عن الجهاز، لسببٍ ما، ومن ثَمّ العودة لاستئناف المحادثة، أما اليوم، ومع ظهور الهواتف المتحركة الذكية، وتطور وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقاتها المتنوعة، فقد اختفى هذا المفهوم تمامًا.

لماذا؟

لأننا ببساطة.. لم نعد نبتعد عن الأجهزة!

     لقد أصبحت أجهزتنا ملاصقةً لنا، أو لعلنا نحن الذين أصبحنا ملتصقين بها، تكاد لا تفارقنا إلا وقت النوم، بل ترانا نرغم أنفسنا على اقتلاعها من بين أصابعنا استجابةً لنداء النعاس، لنسرع إليها ما إن نفتح أعيننا في الصباح التالي!

     ولعل كثيرين تطرقوا إلى هذه الظاهرة، وتأثيرها الخطير على حياة الإنسان وانعكاسها على تواصله مع محيطه وعلاقاته الاجتماعية، ليأتي اليوم الذكاء الاصطناعي ببرامج مثل (ChatGPT) و (Gemini)، وبرامج أخرى قد لا نعرفها، ليدخلوا حلبة المنافسة، ولم يعد الأمر يقتصر على التواصل المعرفي في السياق العلمي أو البحثي أو الأكاديمي، بل تطور إلى التواصل الإنساني والعاطفي، فبعد أن كان الإنسان يبحث لدى الذكاء الاصطناعي عن المعلومة، أصبح – مع ظهور برامج الدردشة الاصطناعية والأصحاب الرقميين – يبحث عن العاطفة والرفقة!، فيصنع شريكًا أو صديقًا على مقاس أحلامه وخيالاته وطموحاته، وربما.. على مقاس مخاوفه ونقاط ضعفه!

     والمفارقة المرعبة هنا، أن هذا الإنسان الذي (يصنع) شريكه، ينسى أو يتناسى أن ذلك الكائن الذي يملك إجاباتٍ لكل شيء، لا يملك شعورًا تجاه أي شيء!

إنه ذكاءٌ بلا وعي، ورفقةٌ بلا وجود!

     وهكذا يستولي الذكاء الاصطناعي على ما تبقى من صلة الإنسان بمحيطه الآدمي!

     كنت أجادل دائمًا بأننا في عالم الإنترنت ومنصات التواصل لسنا عالمًا افتراضيًا بالمعنى الحرفي، فعلى الطرف الآخر ثمّة أشخاص حقيقيون خلف الشاشات، أما اليوم فالبعض يَلِج بالفعل عالمًا افتراضيًا محضًا، يتواصل فيه مع كائن اصطناعي اسمه ChatGPT!