خاص لـ هات بوست:
لطالما وُصف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بالجنون أو الاندفاع في سياسته الخارجية، إلا أن نظرة متعمقة لاستراتيجياته تكشف عن عقلانية خفية ومنهجية واضحة، وإن كانت غير تقليدية. يرى العديد من المحللين والخبراء أن ما يبدو فوضى هو في الحقيقة تطبيق دقيق لـ “نظرية الرجل المجنون”، وهي تكتيك يهدف إلى دفع الخصوم لتقديم تنازلات خوفًا من ردود فعل غير متوقعة.
يؤكد جيفري سوننفيلد، الخبير في القيادة بجامعة ييل، أن ترامب “ذكي كالثعلب”، وأن تصرفاته التي تبدو غير عقلانية هي جزء من “منهج في الجنون” مصمم لتحقيق أهدافه هذه الاستراتيجية تعتمد على تكتيكات الصدمة والترهيب، حيث يهدد ترامب بالتصعيد الشديد ثم يعرض التفاوض بشكل مفاجئ، مما يترك الخصوم في حالة من عدم اليقين ويدفعهم لإعادة تقييم مواقفهم.
في الشرق الأوسط، تجلت هذه الاستراتيجية بوضوح في تعامله مع إيران ومضيق هرمز، ومشروع الحرية الذي يتبناه، والذي اصبح الكماشة على النظام الإيراني، ومع إعادة صياغة التحالفات الإقليمية وتقليل الاعتماد على التدخل العسكري المباشر، في ظل التوترات المستمرة وتهديدات إيران بإغلاق المضيق، اعتمد ترامب سياسة “الضغط الأقصى”، التي جمعت بين التهديدات العسكرية (مثل تحريك حاملات الطائرات) والعقوبات الاقتصادية الشديدة على قطاع النفط الإيراني ولم يكن الهدف من هذه السياسة هو التصعيد العسكري بالضرورة، بل إجبار طهران بوجودهما على طاولة المفاوضات بشروط أمريكية، وهذا ما حدث، لم تتخلق ايران مع كل المماطلات التي تقوم بها تجاه ملف المفاوضات وهذا ليس غريباً على إيران أسلوب المماطلة للهروب من فشلها وفشل شروطها.
تتضح أبعاد هذه الاستراتيجية بشكل أكبر عند ربطها بزيارة ترامب للصين الأسبوع الماضي . على الرغم من وصف الزيارة بأنها “جافة” وخالية من البيانات المشتركة الدافئة، إلا أنها ركزت على ملفات شائكة مثل تايوان والتجارة ودعم الصين لإيران. لقد سعى ترامب لاستغلال نفوذ الصين، كأكبر مشترٍ للنفط الإيراني، للضغط على طهران، فكانت الرسوم الجمركية بمثابة أداة ضغط قوية لدفع بكين نحو التعاون في الملف الإيراني، مما يعكس نهجًا استراتيجيًا يربط بين القضايا الجيوسياسية والاقتصادية.
إن ما يبدو للبعض تصرفات عشوائية أو غير مدروسة من قبل ترامب، هو في حقيقته تطبيق لعلم النفس السياسي لتحويل نقاط الضعف المتصورة (مثل عدم القدرة على التنبؤ) إلى أدوات تفاوضية قوية، وهذا ما جاء من رؤية معهد واشنطن أن الصين كانت “الفيل في الغرفة” خلال زيارة ترامب، وأن الإدارة الأمريكية سعت لانتزاع تنازلات منها بخصوص دعمها لإيران، والنتيجة تحرك سفن صينية كانت عالقة في مضيق هرمز أثناء تواجده في الصين. هذا النهج، وإن كان يثير الجدل، إلا أنه يبرهن على أن ترامب ليس مجنونًا، بل يمتلك استراتيجية واضحة المعالم، وإن كانت تختلف عن الأساليب الدبلوماسية التقليدية.
