خاص لـ هات بوست:
أثار خروج الإمارات من منظمتَي (أوبك) و(أوبك +) ردود فعلٍ واسعة كانت الصدمة سمتها الأساسية، وتباينت بين المفاجأة والاستياء، وهو أمرٌ مفهوم في ظل تعقيدات المصالح الاستراتيجية، وحسابات الربح والخسارة في سوق الطاقة العالمي.
إلا أن المؤكد الذي لا جدال فيه هو أن هذا القرار السيادي غير موجّه ضد أحد، فبعد عقودٍ طويلة من الإسهامات الكبيرة والتضحيات الأكبر التي قدمتها الإمارات خلال عضويتها في المنظمتين، حان الوقت لإيقاف تلك التضحيات، والتركيز على المستهدفات التنموية، وإعلاء المصلحة الوطنية فوق أي اعتبار.
وفي هذا السياق، جاء مقال معالي يوسف العتيبة، سفير الدولة لدى الولايات المتحدة الأمريكية، المنشور في صحيفة (فايننشال تايمز) مؤخرًا، جليًّا ومتّسمًا بشفافيةٍ عالية، إذ ترجم واقعية القرارات الإماراتية وتطورها تبعًا لكل مرحلةٍ تمر بها الدولة، وأحسبُ أن هذا هو ديدن كل دولة تتمتع باستقلالها الاستراتيجي وتضع مصالحها الوطنية في صدارة أولوياتها.
لقد عبّر العتيبة عن الموقف الإماراتي بتصالحٍ تامٍ مع الماضي، وبحزمٍ لا يقبل التأويل أو المجاملة مع الحاضر والمستقبل، حيث كتب: ” …كنا دولة فتية يعتمد اقتصادها بشكل شبه كامل على عائدات النفط. كان إطار عمل أوبك – الذي يرتكز على الإدارة الجماعية للإنتاج، والانضباط المشترك، والتسعير المنسق – مناسبًا لدولةٍ حديثة العهد بأسواق الطاقة الدولية والاقتصاد العالمي، فقد وفرت المنظمة الخبرة والاستقرار والنفوذ الذي لم يكن بإمكان دولة صغيرة حديثة الاستقلال تحقيقه بمفردها، لكن تلك الدولة لم تعد موجودة.”
بهذه الكلمات، لم يضع معالي السفير حدًّا لعلاقة الإمارات بأوبك فحسب، بل أعلن ميلاد مرحلة جديدة من النضج الاستراتيجي، حيث لم يعد حجم الدولة يُقاس بعمرها، بل بمدى تأثيرها واستقلال قرارها.
بعبارةٍ أخرى، لم يكن الانضمام لأوبك قدرًا أبديًّا، بل خطةً مرحليةً وخيارًا يلائم مرحلة التأسيس، واليوم، مع نضج التجربة الإماراتية، واكتمال أدوات القوة، بات الخروجُ منها استحقاقًا وطنيًّا وخيارًا سياديًا يتلاءم مع مقتضيات مرحلة الاستدامة والريادة والتميز.
إن اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة التي أبرمتها الإمارات مع العديد من دول العالم، جنبًا إلى جنب مع الاتفاقية التجارية الثنائية مع الاتحاد الأوروبي. والشراكة الاستثمارية والتكنولوجية مع الولايات المتحدة – كما أشار العتيبة في مقاله – تقتضي مرونةً وحريةً لا توفرها قيود أوبك، ولا توازنات العمل الجماعي التي قد لا تراعي مصلحة الجميع على وجه الإنصاف، ووجود فائض نفطي – من أجود الخامات النفطية – غير مستغَل وربما مُهدَر لن يحقق معادلة النجاح والربح التي تلائم دولةً تنافسيةً صاعدةً كالإمارات، خاصةً في ظل التحول العالمي المتسارع نحو الطاقة النظيفة.
الدرس واضح – كما قال العتيبة -: “العالم بحاجة إلى طاقة أكثر موثوقية وبأسعار معقولة، وبحاجة إلى منتجين قادرين على توفيرها.”، ونحن نعلم أننا هذا المنتِج، ولن نسمح لأي اضطرابٍ إقليمي أوعالمي – أيًّا كان مصدره – أن يثنينا عن تحقيق مصلحتنا الوطنية أو يقوّض رؤيتنا التنموية، فالإمارات اليوم لا تدير مواردها فحسب، بل تصيغ مستقبلها كقوة حضارية ومعرفية واقتصادية مستقلة ومستدامة.
ولعل من المناسب هنا أن نذكّر بـ (وثيقة الخمسين) التي أعلنتها الإمارات في عام 2021 والتي تمثل المرجع الاستراتيجي للدولة في مرحلة ما بعد التمكين، بهدف تعزيز أركان الاتحاد وبناء اقتصادٍ مستدام، وتسخير كافة الموارد لمجتمعٍ أكثر ازدهارًا، والتي ينص أحد مبادئها صراحةً على: (التركيز بشكلٍ كاملٍ خلال الفترة المقبلة على بناء الاقتصاد الأفضل والأنشط في العالم. التنمية الاقتصادية للدولة هي المصلحة الوطنية الأعلى…).
إن هذا المبدأ تحديدًا يفسّر بوضوح لماذا لم يعد البقاء ضمن أطرٍ تنظيميةٍ تقليدية – تحدُّ من وتيرة النمو أو تعيق استغلال الموارد – خيارًا متاحًا.
والأهم.. أنه يرد على كل من اعتبر قرار الإمارات وليد لحظةٍ أو رد فعلٍ، بل هو ثمرة رؤيةٍ استراتيجيةٍ بعيدة المدى، وخريطة طريقٍ رسمتها الدولة لنفسها قبل سنوات.
وآخِر القول..
لم يكن الهدف منذ البداية أن نكون دولةً نفطية، بل أن نكون الدولة النموذج.
