خاص لـ هات بوست:
في عصريةٍ صيفيةٍ هادئةٍ من أمسيات مايو، دخلتُ مستعجلةً من بوابة متحف اللوفر في أبوظبي، رياحٌ شماليةٌ منعشةٌ مسحت لسعة الشمس من جسدي، مؤذنةً بأمسيةٍ تفوح فيها رائحة سطح بيتنا في ليالي الصيف.
تلمستُ طريقي إلى كرسيٍّ في مدرجات سينما المتحف، كان الفيلم قد بدأ. لم أكن أتوقع هذا الصوت والصورة الواضحة، فلقد سمعتُ أن فيلم سعيد أفندي أُعيد ترميمه وتنظيف صورته وصوته بعناية قبل مهرجان كان ٢٠٢٥. فيلمٌ أُنتج في ١٩٥٦ في العراق، رممته التكنولوجيا وعالجت كسور شريطه الصوري. تساءلتُ في نفسي: هل يستطيع الزمن أن يرمم كل الذي كُسر؟ كان الأبيض والأسود يتحرك أمامي بهدوء، لكن داخلي كان يمتلئ بالألوان والأنوار والذكريات.
أحسستُ بدفء الكرسي كما لو أنني عدتُ طفلة أجلس في حضن أمي قبل عقود. كان الفيلم نفسه يُعرض يومها، في بيتنا القديم، على شاشة تلفزيون تتداخل فيها الصورة ويختنق الصوت كلما هبّت الريح وحرّكت “الأريل” على سطح المنزل. لا أتذكر كم كان عمري، ولكنه كان مؤكدًا قبل بدء زمن الحروب في العراق. في ذلك اليوم جلست أمي مرفوعة الرأس، مفعمة العينين، وابتسامة ذكريات أعادت النضارة لوجهها الأربعيني المتعب.
كانت رائحة شاي سيلان تعبّئ البيت. أمي لا تتوقف عن شرب الشاي من الصباح حتى تذهب إلى النوم. جلَست، عنقها طويلٌ وشامخ، وظهرها متكأٌ بدون استعجال على الوسادة خلفها. وبدون أن تحرك عينها من الشاشة، يدٌ تحتضنني ويدٌ تمسك استكانة الشاي، وبصوتها الدافئ قالت بفخر: “عبد الواحد طه كان جارنا”. كان عبد الواحد طه ابن شارعهم وأخو أعز صديقات أمي.
جلستُ في حضن أمي أراقب الفيلم القديم دون أن أفهم يومها لماذا كانت فخورةً به إلى هذا الحد. بالنسبة لطفلةٍ صغيرة مثلي، كان مجرد حكاية عن أولاد ومشاجرة في محلة عراقية قديمة. لكن أمي كانت ترى فيه شيئًا أكبر؛ كانت ترى زمنها، ناسها، وجيرانها الطيبين.
كانت تتحدث عن الأربعينيات والخمسينيات كأنه زمنٌ ذهبي. عن البصرة حين دقت أبواب التغيير لتفتح التعليم الثانوي للفتيات، وعن أول متوسطة وثانوية للبنات تُفتح بالبصرة، وهي ثانوية البصرة للبنات، عندما كانت المراحل الدراسية تُفتح سنةً بعد أخرى مع تقدّم الطالبات. كانت الفتيات في زمن والدتي مفعماتٍ بالأمل والأحلام ليصبحن جزءًا مساهمًا في بناء وطن. وكان هناك شعور بأن المستقبل يُبنى بهدوء وأمل..
في البصرة القديمة، وفي محلة الصبخة الكبيرة التي تسكن على ضفاف النهر بجسور بيت النعمة وجسر شيخ خزعل وجسر بيت مرودي وجسر بيت المنديل وجسر المحكمة وأول بلديات البصرة وأول بناية للمحكمة في العهد الملكي، هي الساحة التي لعب فيها عبد الواحد طه طفلًا، في محلة جمعت جميع الأديان والعائلات الراقية، حيث كان المسلم والمسيحي واليهودي والمندائي يعيش في كنف حب المحلة والجيرة الطيبة، وحين تسمع أجراس الكنائس وتتلاحم اصوات الماءذن وترى رجالا ذاهبين إلى الكنيس اليهودي في السوق القديم. الكل كان هناك أخًا وجارًا ونخوةً ومحبةً ووطنًا.
كما كانت تقول والدتي، عبد الواحد طه لم يأتِ من عائلة فنية. التمثيل لم يكن سيرةً مقبولةً في عائلته العريقة والمحافظة، ولكن هذا الشغف كان أقوى حين استهوى مجموعةً من شباب المنطقة، أولهم عبد الواحد طه وتوفيق البصري وآخرون أحبوا المسرح والغناء والموسيقى، فاجتمعت نشاطات المدرسة والمحلة لتبدع في أزقة البصرة القديمة ولتُخرج جيلًا من الفنانين الذين عرف العراق أسماءهم لاحقًا. كانت والدتي وعائلتها وعوائل المحلة يذهبون بأبهى أناقتهم ليجلسوا على مقاعد السينما، والمتمكنون كان اللوج موقعهم. كان حب الفتيات والسيدات لذوق ليلى مراد واسمهان وفاتن حمامة من أهم موارد محلات الأقمشة، حين تتنافس السيدات ليخطنَ ملابسهنَ ويجلسنَ في القبولات يستعرضن الكتب التي قرأنها، وأحداث الأفلام التي شاهدوها، وقصات الفساتين، وأخبار مجلة حواء.
هذا الحب للسينما سافر مع عبد الواحد عندما ذهب إلى بغداد للدراسة، وأغرمته أكثر بحبها السينما والمسرح والكاميرات. كانت أخباره تصلهم في البصرة من أهله وأقاربه، ليشع الأمل بين الأطفال في المحلة ليصبحوا يومًا مثله، الممثل المشهور وابن المحلة.
لا أعرف هل كان فيروس السينما والمسرح منتشرًا في محلتي، فكنا كأطفال المحلة نعيد أحداث الأفلام التي نراها في السينما وعلى التلفزيون ، نحفظ كلمات المشاهد المؤثرة ونمثلها في الشارع كلعبة من ألعاب يومنا، وكنا الأطفال نحب أن نرفع سيقان البامبو اليابسة ونلوح بها كالسيف، كأننا مقاتلون من الزمن البعيد..
عندما جلستُ في سينما متحف اللوفر، أحسستُ بنفس الفخر الذي أحسته أمي الله يرحمها بهذا الفيلم، ولم أتمالك نفسي وهمست: “هذا الممثل عبد الواحد طه. الله يرحمه، كان جوارينا”، قلتُ فاخرةً للشابة اللطيفة التي كانت تجلس جنبي. لم أكن أعرفها، ولكن غمرني شعور أن أقف وأن أقول للجميع: عبد الواحد طه كان جارَنا..
أنا نفسي لم أره يومًا، لكنني عرفته من قصص أمي ومن محبة عائلته وطيب ونخوة محلة في زمن جميل ، وعرفت الحكايات التي بقيت عنه. وربما يكفي أحيانًا أن تكون ابن المكان ذاته، حتى تفخر وتشعر أن نجاح جارك هو نجاحك ايضا..
ترميم الفيلم في مهرجان كان رائعًا بحق. الصورة والصوت أصبحا واضحين ودافئين، حتى تحولت مشاهدة الفيلم إلى متعة حقيقية، وكأن الزمن نفسه أُعيد ترميمه. هزّتني معاني هذا الفيلم التي لم أفهمها كطفلة، وتساءلت: هل كان الكاتب يتنبأ بما سوف يحصل للوطن بعد عقود؟ هل كان يتنبأ بمستقبل عبد الواحد طه الحزين؟
بعد انتهاء العرض، خرجتُ إلى مدرجات اللوفر المطلة على البحر، وهناك التقيتُ بصديقة عزيزة على قلبي بهرها الفيلم أيضًا. مثلي تمامًا، ولكن مغربة من بلدٍ آخر، جمعتنا الإمارات واحتضنتنا أمًّا ووطنًا، واحتضنّا الإمارات أمًّا وأمانًا ووطنًا بعد الغياب الطويل عن أوطان تغيّرت كثيرًا، وربما لم نعد نعرفها الآن كما عرفناها يومًا.
كانت جلستنا دافئة، والنسيم البحري ينعش الروح ويمسح الغبار عن الذاكرة. فجأة انفتحت خزائن الماضي، وخرجت منها وجوه الناس الطيبين، جيران، وأزقة، وأصوات محبة سكنت طفولتنا. تدفقت الحكايات كما تدفقت دموعنا دون استئذان، حاملةً معها حنينًا لأوطان قد لا نستطيع العودة إليها كما كانت، لكننا نزورها في الذاكرة كلما اشتقنا إليها.
عندما يحب الله عبده يعوضه عن الفقدان بحضن وطن دافئ يمنحه الأمان والطمأنينة، ويترك له مساحة ليحكي، ويتذكر، ويبكي دون خوف.
وفي حضن هذا الوطن الجديد، جلستُ أستعيد حضن أمي القديم… وفيلمًا أبيض وأسود أعاد إلينا ضحكات أطفال ودفءَ أمهات راحلات..
