خاص لـ هات بوست:
شاهدتُ الجزء الأول من فيلم The Devil Wears Prada قبل قرابة عشرين عاماً، وكنتُ نسخةً أخرى مني أحسبها أكثر بهاءً.
أزعم أنني ما زلت أذكر أحداثه، وأنه كان مكتمل بموضوعه الساخن، وبجرعة الكورتيزول التي تكفي لتضخ في شرايين قبيلة بأسرها؛ بتفاصيله الكثيفة، وإيقاعه اللاهث، وأزيائه، ودهائه، وصراعاته الداخلية، وصرعاته.. الأداء المذهل لـ ميريل ستريب كعادتها، ونقاء وبساطة آن هاثاواي.
لكن ابنتَيّ حجزتا لي معهن لمشاهدة الجزء الثاني، فذهبتُ حبّاً في ذلك الوقت النادر الذي نقضيه معاً: عتمة المكان، ورائحة الفوشار، وغيبوبة السينما اللذيذة.
قالتا إنه “فيلم بنات”، وهذا التصنيف كفيلٌ بطرد ذكور العائلة!
عشرون عاماً مضت إذن.. ونسختي الجديدة صارت ترى بقلبها، وبمنظومة قيمها، وبحسّها النقدي.. ومع ذلك، فالفيلم يستحق المشاهدة حقاً، والتصنيف السابق مجحف؛ فهو فيلم إنساني يلائم الجميع، لا يخلو من جانبٍ إداريٍّ واقتصادي بصرف النظر عن طبيعة النشاط: التغيير، المنافسة، سوق العمل، التفويض، الصلاحيات، أنماط الإدارة وعلاقة الرئيس بالمرؤوسين، تقليص الوظائف والنفقات، الشكل الجديد للعالم، الذكاء الاصطناعي والقلق تجاهه، وسرقاته الممنهجة، لا سيما في الجانب الفني والإبداعي والأدبي. كل هذا معجونٌ في قالبٍ هوليوودي، مطعّم بلفتات محبة وصدق وحنين، وعلائق بشرية شائكة ومعقدة.
استحضرتُ قراراتي الشخصية على مختلف المستويات طوال عشرين عاماً مفصلية، وسامحتُ ذاتي بنسختها القديمة على بعض الخيارات المتعجلة آنذاك بين العائلة والوظيفة بحسب أولوياتي ومستوى إدراكي حينها.
أكثر ما استوقف الناس أثر السنين الرحيم نسبياً على أبطال الفيلم من حيث المظهر، وهذا أمرٌ ملحوظ، لكن الأداء مدهشٌ أيضاً ولافت.
أظن أن الفيلم، في جزئه الجديد، لا يطرح سؤال النجاح بقدر ما يعيد تعريفه:
هل النجاح أن نصل؟ أم أن نعرف ماذا نخسر ونحن في الطريق؟ أم أن نجد من يقبلنا كما نحن، بقصورنا الجزئي والكلي؟
وربما ما لامس روحي أكثر هو حقيقة تشابهنا الكبير، على الرغم من البعد الجغرافي وكل الاختلافات الجوهرية والشكلية؛ فمخاوفنا وهواجسنا، والتحديات التي نواجهها في عالمٍ متغير، واحدة.
ويبقى السؤال: هل يمكن للإنسان أن يحتفظ بذاته كاملةً، وهو يعبر كل هذه التحولات وعلى رأسها بعبع البعد الرابع؛ الزمن؟
