حين تصبح الكتابة فعلاً وطنياً

آراء

لا يمكن أن تُبنى الدول بالمشروعات الاقتصادية وحدها ولا تقاس نهضة المجتمعات بالبنى التحتية فقط.

تقوم الدول قبل ذلك وبعده على بناء الإنسان الواعي القادر على فهم معنى الدولة وقراءة تجربتها والدفاع عن منجزها وتفسير موقعها بالتاريخ والجغرافيا والسياسة وتقديم صورتها للعالم.

من هنا، تأتي أهمية الكتابة بوصفها فعلاً وطنياً، لا مجرد ممارسة لغوية أو تعبيرية، فالكتابة الواعية تسهم في تشكيل الوعي المجتمعي وتكوين الرأي، وبناء الفهم، وترسيخ الهوية الوطنية، وحماية السردية الوطنية من التشويه أو حتى الاختزال أو القراءة السطحية.

هنا، سأتحدث عن تجربتي من خلال المشاركة في الورشة التدريبية لكتابة المقال، التي نظمتها جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية ضمن مسار “السردية الإماراتية”، لقد كانت تجربة علمية ومعرفية مهمة وضرورية أضافت للمشاركين الكثير وكشفت لهم عن أن المقال ليس مجرد نص قصير يُكتب للتعبير عن رأي أو شرح وتفسير لقضية أو حدث عابر، بل هو بناء فكري متكامل يبدأ من الفكرة، ويمر عبر التحليل، وينتهي إلى موقف واضح ورأي مسؤول.

لقد أكدت الورشة أن الكتابة الناجحة لا تقوم على جمال العبارات وحدها أو تزيين النص بالمصطلحات الرنانة أو تجميله بالكلمات البراقة، وإنما على أمانة الكلمة، ووضوح الفكرة، ودقة الملاحظة، وقوة الحجة، وحسن ترتيب المعاني، فالكاتب الجيد قادر على قراءة الحدث، والسياق، واللحظة التي يكتب فيها، أي أن الكاتب الحقيقي لا يكتفي بوصف الواقع، بل يحاول فهمه، وتفسيره، وربطه بسياقاته، ثم يقدمه للقارئ بلغة واضحة، وحجة متماسكة، ورؤية واعية متوازنة.

إذن، المقال الجيد يحتاج إلى عقل يقرأ قبل أن يكتب، وإلى وعي يفرّق بين الانفعال والتحليل، وبين الرأي والموقف، وهذه قيمة جوهرية ضرورية في زمن تتسارع وتكثر فيه المعلومات، وتتزايد فيه الآراء والأفكار السطحية، وتنتشر فيه الأحكام العاطفية المتعجلة، بسبب ذلك يصبح المقال الرصين الواعي ضرورة فكرية لا ترفاً ثقافياً.

وتنبع أهمية الورشة، أنها جاءت في سياق اهتمام جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية باكتشاف الكُتّاب الشباب وصقل أدواتهم، وهي مهمة تتجاوز حدود التدريب المهاري إلى المساهمة في بناء جيل يمتلك القدرة على التفكير والتحليل والكتابة.

فالجامعة، بهذا المعنى، لا تؤدي وظيفة تعليمية تقليدية فحسب، بل تقوم بدور وطني وثقافي وتنويري عميق، لأنها تهيئ العقول لفهم التحولات، وقراءة والواقع، وتمنحها أدوات التعبير المسؤول، وتربط العلم والمعرفة لخدمة المجتمع والدولة.

إن اكتشاف الكُتّاب الشباب ليس عملاً هامشياً، بل هو ضرورة واستثمار في الوعي الوطني، فكل كاتب يمتلك فكرة واضحة، ولغة رصينة، ورؤية متوازنة، يمكن أن يكون جزءاً من قوة الدولة الناعمة، ومن قدرتها على شرح تجربتها للعالم، ومواجهة السرديات المغلوطة، ومواجهة الحملات المغرضة.

فالكلمة ذات تأثير كبير وعظيم، والمقال أساس في صناعة الوعي، والكتابة حين تكون مسؤولة تصبح إحدى أدوات حماية المجتمع من الارتباك الفكري والتشويش الإعلامي وتعفن الوعي.

لقد قدمت الورشة قيمة إضافية مهمة، لأنها لم تتعامل مع المقال بوصفه قالباً فنياً فقط، بل بوصفه أداة مهمة لفهم القضايا والأحداث والتطورات التي تهم الدولة والمجتمع والإنسان، فمثلاً، الكتابة عن الإمارات تحتاج إلى وعي بالتاريخ، وفهم للجغرافيا السياسية، وإدراك لطبيعة التحولات الإقليمية والدولية، ومعرفة بالقيم التي قامت عليها الدولة، وفي مقدمتها الإرادة، والتنمية، والتسامح، والاستقرار، والانفتاح الواعي على العالم.

وهنا، تتجلى أهمية جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية في رعاية مثل هذه المبادرات، لأنها تؤكد أن بناء الإنسان لا يكتمل بالمعرفة الأكاديمية وحدها، بل يحتاج إلى تدريب على التفكير، وإلى تمكين من أدوات التعبير، وإلى وعي بقيمة الكلمة في الدفاع عن الحقيقة وصناعة المعنى، فالجامعات الكبرى لا تكتفي بتخريج الطلبة، بل تساهم في تكوين العقول، وتعمل على إعداد النخب، وتعزز من صناعة الخطاب الوطني الرصين.

إن الورشة التدريبية لكتابة المقال ضمن “السردية الإماراتية” تمثل نموذجاً للمبادرات التي نحتاج إليها باستمرار، لأنها تجمع بين المهارة والمعنى، وبين التدريب والوعي، وبين الكتابة بوصفها فناً، والكتابة بوصفها مسؤولية وطنية، ومثل هذه المبادرات تستحق التقدير والثناء، لأنها تفتح المجال أمام المواهب، وتمنح الكلمة مكانتها.

مثل هذه المبادرات تؤكد أن مستقبل الدول لا تصنعه المشروعات الاقتصادية فقط، بل تصنعه أيضاً العقول التي تفهم، والأقلام التي تكتب، والسرديات التي تحفظ للأوطان صورتها الحقيقية وأن تُفهم كما هي.

المصدر: موقع العين الاخبارية