خاص لـ هات بوست:
أنت تتحرج بشكل طبيعي من الخوض في هذا الحديث الشائك، تهز رأسك كيفما اتفق وتغير الموضوع..
أن تكون كاتباً في الوطن العربي، أن تسول لك نفسك التورط في إثم التفكير وتلويث أصابعك بحبر الكتابة الإبداعية الدبق، ثم الدخول في حقل النشر الملغم بالضبابية والخيبات الثقيلة..
تتوهم أن مهمتك انتهت بسهر الليالي وهواجس الكتابة وأكواب القهوة الثقيلة التي تجرعتها، ومتلازمة الصداع المزمن والذهول الدائم، والانشغال بإعمال الفكر والخيال والتدوين والتدقيق والتحرير، وكائنات الكتابة التي تطاردك في النوم واليقظة، وتحرمك لذة العيش السوي.
كنت غافلاً أيها المسكين عن دهاليز دور النشر المعتمة ومتاهاتها واشتراطاتها، بل يُعدك الجميع محظوظاً جداً إذ اقتنعت دار نشر معتبرة بعملك وتبنته وقررت نشره دون أن تكلفك أي مبلغ، لكنها ألمحت طبعاً إلى ارتفاع كلفة الطباعة والشحن، وجشع الموزعين وفوضى معارض الكتاب، وإلى شح الإقبال على القراءة والكتب، وإلى أنك أيها الجميل ستحصل فقط على بضع نسخ مجانية من كتابك، يتفضل بها عليك الناشر مشكوراً، وقد يلمح أيضاً إلى ضرورة وقوفك على أبواب الجوائز الأدبية علك تظفر بواحدة منها، ستحك أنفك بشيء من التوتر، لأن لك موقفك الشخصي الحالم والوردي الذي يجعلك تظن أن على الجوائز الأدبية أن تبحث عنك من تلقاء ذاتها، وتفطن لوجودك، وتعثر عليك، وتفاجئك بالتكريم المستحق!
هل تظن أن حفلة الخيبات المأمولة انتهت هنا؟ جدل طباعة وتصميم غلاف، وهفوات هنا وسوء فهم هناك؟ لا يا عزيزي، انتظر حتى يصدر الكتاب أخيراً، وتحمله بين يديك وتشم عبقه، وينتابك ذاك الشعور المتناقض بين فخر الإنجاز والرغبة في التنصل والهروب..
هنا يبدأ فصل آخر من العبث.. يأتي كل من تعرفه ومن لا تعرفه ليطالبك بنسخة مستحقة موقعة من الكتاب، وعليك أن تفرح وتبتهج، فقد تفضل عليك بهذا الاهتمام، وسيفرد لكتابك مساحة في مكتبته، سواء قرأه أو لم يتسع وقته الثمين لقراءته.. وسأطلب منك هنا أن تكون صريحاً مع نفسك، أما تعجبت أنت ذاتك من نفورك، وأنت القارئ النهم، من الكتب المجانية المهداة؟ وتفحصت حصيلتك منها بدهشة، وبعضها ما يزال ملفوفاً بشريط ساتان لامع، كما لو أنها هدايا بروتوكولية جرى تبادلها في مناسبة رسمية وانتهى الأمر!
أصدقاؤك في الخارج أيضاً ينتظرون بلهفة واستعجال نسختهم من كتابك الصادر حديثاً، والذي يُستحسن أن يصلهم بالبريد الممتاز والمستعجل بما يتلاءم مع اهتمامهم ولهفتهم..
وأنت تقدر كل هذا وتثمنه طبعاً، لكنك بدأت تتساءل مؤخراً، وإن بينك وبين نفسك، عن سر مجانيتك؟
يلح هذا السؤال السخيف بثقله على نبلك الساذج الموروث؛ لماذا أنت ذاتك عليك أن تدعم كل من تعرف ومن لا تعرف في مشروعه وتجربته أيّاً كانت؟ تجامل بسخاء فلاناً وعلتان في ورشته ودورته ومنتجه الفريد ومطعمه الفاخر ومتجره الباذخ، بينما كتابك الذي بذلت فيه جهد أعوام، ولا يتجاوز ثمنه، الذي حرصت أن يكون في متناول الجميع، ثمن فنجان قهوة عابر، يستكثره الجميع، أو إن أردنا توخي الدقة، فهو في نظرهم لا يقدر بثمن، وأنت عليك أن تترفع عن تقاضي مبلغ زهيد تافه في المقابل، دون أدنى اعتبار للفعل التراكمي..
ثم أين تظن نفسك ومن تكون؟
ج. ك. رولينغ الروائية صاحبة سلسلة هاري بوتر؟ التي تحولت من سيدة مطلقة تعيش على إعانة بطالة من الحكومة البريطانية إلى أثرى كُتّاب العالم، وتعيش في قلعة اسكتلندية فاخرة بُنيت في القرن التاسع عشر، وتجاوزت مبيعات كتبها خمسمئة مليون نسخة، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثمانين لغة، بما فيها العربية، وتحقق مكاسب خيالية بمتوسط مائة مليون دولار سنوياً؟
ومع ذلك فلن يتورع أحدهم عن التطفل عليك، وسؤالك بفضول بريء وقاتل عن المبالغ التي تتقاضاها مقابل مقالاتك وكتبك! وأنت لا تريد أن تخذله أو تصدمه بالحقيقة، ستضع يدك في جيبك الفارغ بأناقة، أو تشبك ذراعيك على صدرك المثقل وتبتسم بمكر… وتتركه لظنونه وتأويلاته.
تؤلمك حفلة التفاهة، لو أنك أحد مؤثري السوشال ميديا، دقق في كلمة “مؤثر” التي تنطبق على من لديه محتوى ما أيّاً كان، وجيش من المتابعين، ولا تنطبق في زمننا هذا عليك ما دمت يا هذا تكره الظهور، وتصر بعناد على الاختباء خلف النصوص، ولا تمتلك حسابات نشطة، ولا لزمة كلامية تكررها مثل معتوه! ولا تجيد تسويق نفسك باعتبارك علامة تجارية بشرية قابلة للاستهلاك السريع.. لو كنت كذلك وتنكرت على هيئة كاتب، لتهافت المتابعون على شراء الطبعة الفاخرة من كتابك حتى لو كان فارغاً حرفياً، ولتزاحموا في طوابير طويلة للحصول على توقيعك الكريم وصورة سيلفي بجوارك.
ما الذي يزعجك الآن أكثر؟ وأين يكمن الخلل؟ في الكاتب ذاته؟ في القارئ؟ في الناشر؟ في قنوات التوزيع؟ في السوق؟ في المؤسسات؟
والأهم من كل هذا؛ ما هو أثره وتأثيره على المدى الطويل؟
هل تكمن المشكلة اليوم في أن الناس لا تقرأ؟ أم في أنها تعتقد أن الكتابة نفسها فعل مجاني لا يستحق أن يُدفع مقابله؟ أم تراها تلك الهالة النورانية التي تغلف الفعل الإبداعي وتطلسمه وتحاصره بثقافة كاملة تنتظر منه أن يقتات على المجد الرمزي والتصفيق الاعتباري؟
