خاص لـ هات بوست:
نُشر الأسبوع الماضي مقالٌ عميقٌ للدكتور توفيق السيف – وهو كاتبٌ سعودي أجد لديه دائمًا ما يشبع الفكر ويروي المعرفة – تحدث فيه عن مَظنة (الحق الوحيد) التي تدفع البعض للانحياز إلى رأيٍ محدد، وافتقاد القدرة على رؤية ومحاولة فهم سواه، وطرح رؤيته – التي أوافقه عليها – حول الأسباب الكامنة خلف هذا السلوك.
الانحياز بتعريفٍ بسيط هو الميل إلى جانبٍ دون آخر بطريقةٍ تحجب الرؤية الموضوعية أو تمنع التقييم العادل للمواقف والحقائق.
وكوني شهدت الكثير من النقاشات الجدلية التي كانت غالبًا ما تصطدم بسد الانحياز، فلعلي أضيف دوافع أخرى لمستها في هذا السلوك: أحدها الشعور بالأفضلية والاستعلاء، أو ما يمكن تسميته (الثقة المزيفة في النفس)، ويتجلّى هذا بوضوح في النقاشات الدينية – مثلًا – التي تتناول أصحاب الملل والديانات الأخرى، أو السجالات الاجتماعية التي يحلو للبعض تحويلها لصراعات جندرية بين النساء والرجال! وهذا يقودني لمفهوم (العمى الأخلاقي) في النقاش، حيث لا يعود الهدف هو البحث عن الصواب، بل (تثبيت الهوية) وإشعار الذات بأنها الناجية والأعلى درجة، والوحيدة التي تمتلك الحقيقة، مما يجعل الانحياز هنا وسيلةً دفاعيةً وليست مجرد قناعةٍ فكرية.
أيضًا الركون إلى (منطقة الراحة الفكرية)، تلك التي يستكين فيها العقل حد الكسل العقلي، فلا يتحمس لفهم واستيعاب الرأي الآخر، وعندها يكون الانحياز هو الخيار الأسهل والأقل كلفة، إذ يوفر للعقل راحةً زائفةً تحميه من عناء البحث والمساءلة.
ويُضاف إلى ذلك الاعتقاد الجازم بأن الحق واحد، وما دام واحدًا، فنحن بالضرورة نمثّل الحق، والآخر يجسّد الخطأ قطعًا، ولعلي أستعين هنا بمفهوم (العمى المنزلي) في الأنثروبولوجيا المعاصرة، حيث تنعدم القدرة على رؤية أنفسنا موضوعيًا من الخارج، فتصيرُ الألفةُ حجابًا يحولُ دون نقدها أو الاعتراف بما يعتريها من عوار.
ورغم أن الانحياز سلوكٌ سلبي في الغالب، إلا أنه قد يبقى في خانة (المسالمَة) – إن صح الوصف – ما لم يتعدَّ على حقوق الآخرين أو يصادر آراءهم، لذا، فإن الخطورة الحقيقية ليست في (الانحياز) بحد ذاته، بل في (عمى الانحياز)، أي اللحظة التي يتحول فيها الميل الفكري إلى حاجز يمنع المرء من مجرد (تخيل) وجود وجهٍ آخر للحقيقة، أو احتمال وجود صوابٍ خارج أسوار قناعاته.
وهذا يذكّرني بمفهوم (الشريحة الحمراء) الذي طرحه الأستاذ محمد الرميحي – الكاتب الكويتي المثقف – في مقالٍ قديمٍ بعنوان (مُحاطٌ بالحمقى)، مُستلهِمًا عنوانه من كتابٍ يحمل نفس الاسم، حيث قسَّم فيه ردود فعل الناس، وطرق استيعابهم للمعلومات والآراء إلى أربعة ألوان: الأحمر، والأصفر، والأخضر، والأزرق، وخَلُص إلى أن اللون الأحمر هو الأصعب مراسًا في التعاطي معه، لأنه يرى الأمور دومًا من زاويةٍ مغايرة لما تراه تمامًا، مدفوعًا بإيمانٍ جازمٍ بأنه يمتلك (الحق المطلق) في كل القضايا محل النقاش.
وقد يتطور الأمر إلى مكابرةٍ شديدةٍ، وإنكارٍ عدائيٍّ، ومصادمةٍ عنيفةٍ لن تستغربها حين تدرك أن الدوغمائية تقتل مرونة العقل بالفعل، وتجعله عاجزًا عن التفكّر ومحاولة الفهم، تلك المحاولة الصادقة التي تستهدف الاستيعاب أولًا، بغض النظر عن التأييد أو الرفض في النهاية!
وآخِر القول..
إنَّ الانحيازَ آفةٌ تملؤنا بالتُّخمةِ من أنفسنا، فلا تتركُ فينا متسعًا لغيرنا.
