محمد بن راشد: دبي لم تولد من الرفاهية.. بل من الألم والجوع والمعاناة

أخبار

وجّه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، إلى أبنائه شباب وشابات دبي رسالة روى لهم فيها قصة «سنوات البطاقة» عقب انكسار اقتصاد دبي بسبب انهيار صناعة اللؤلؤ، واندلاع الحرب العالمية التي قطعت الإمدادات وأوقفت خطوط التجارة.

وأكد سموه في رسالته أن الكثير من العائلات عاشت على التمر والماء لأشهر كاملة، خلال تلك الفترة، وهم في بيوت من سعف النخيل، مع حرّ شديد، وقلة في الماء، وشح في الطعام.

وقال سموه إن «دبي لم تولد من الرفاهية، بل من الألم، والجوع، والمعاناة»، مضيفاً: «لكنها امتلكت الرجال والنساء الذين رفضوا أن يكونوا أسرى لتلك الظروف».

وتفصيلاً، قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في رسالة إلى شباب دبـي.. حملت عنوان «سنوات البطاقة»: «هذه رسالة إلى أحبتي وأحبابي وأبنائي شباب وشابات دبي.. أحكي لكم فيها قصة سنوات البطاقة.. هي سنوات مرّت على أهاليكم وآبائكم وأجدادكم، انتشر فيها الفقر والجوع والمرض، وفقدت فيها الكثير من العائلات مصدر رزقها.. سنوات أكل الناس فيها الشعير المخلوط بالخبز، وكانوا يسمونه (الشمبريش).. وعاشت الكثير من العائلات على التمر والماء لأشهر كاملة.. سنوات أكل الناس فيها الجراد أثناء مواسمه من شدة الجوع والعوز.. وهم في بيوت من سعف النخيل، مع حرّ شديد، وقلة في الماء، وشح في الطعام.. سنوات ضربت فيها بلادنا أمراض مثل الكوليرا، والجدري والحمى، والتهابات العيون، وسوء التغذية، والأمراض المرتبطة بتلوث المياه.. سنوات مُحيت فيها عائلات كاملة بسبب أمراض بسيطة كالحمى وغيرها.. بسبب ضعف العلاج وقلة الطبابة وسوء الغذاء. إنها سنوات الجوع».

وشرح سموه: «كانوا يسمونها (سنوات البطاقة) لأن الشيخ راشد، بتوجيهات من الشيخ سعيد، رحمهما الله، كان يوزع البطاقات على الأسر من أجل الحصص الغذائية المحددة والبسيطة المخصصة لهم حتى لا يموت الناس جوعاً، وخاصة الضعفاء».

وأضاف سموه في رسالته: «كان الاستيراد ضعيفاً، والشحنات التي تصل قليلة بسبب الحرب العالمية المستعرة في العالم وخطوط الإمداد المتوقفة. تعرضت دبي لضربتين متتاليتين: الأولى انكسار اقتصاد دبي بسبب انهيار صناعة اللؤلؤ، والثانية اندلاع الحرب العالمية التي قطعت الإمدادات وأوقفت خطوط التجارة».

وخاطب سموه الشباب قائلاً: «تخيّلوا يا أبناء دبي مدينة كاملة يعتمد معظم سكانها على تجارة اللؤلؤ، ثم يفقد البحر قيمته، ويفقد اللؤلؤ أهميته، فينتشر الفقر، ويسود العوز، ويبدأ الناس بالهجرة إلى دول الجوار بحثاً عن عمل أو حتى طعام. بدأ الآباء يحوّلون مراكب الغوص إلى مراكب تجارية، ينقلون فيها البضائع بين العراق وإيران وعُمان والهند وغيرها، ثم جاءت بعد ذلك الحرب العالمية الثانية لتعصف بما تبقى من اقتصاد، ولتتعطل حركة السفن والتجارة، ولتفرض بريطانيا رقابة شديدة على حركة البضائع وعلى المواد الغذائية المسموح بإدخالها، لأن الأولوية كانت للمجهود الحربي وللتموين الحربي».

وأكد سموه: «لم يتوقف الأمر عند ذلك، بل ازداد الوضع سوءاً عندما فرضت بريطانيا حظراً كاملاً على دخول المواد الغذائية إلى المنطقة. ضجّ الناس، وازداد الجوع، وبذل الشيخ راشد بن سعيد جهوداً كبيرة للضغط على البريطانيين لإعادة السماح بدخول المواد الغذائية، ووضع نظاماً لتوزيعها بحصص محددة ووفق بطاقات لكل عائلة».

وقال سموه: «كان راشد رحيماً بالناس، مشفقاً عليهم، معايشاً الشدة والضيق واليأس التي يعانونها. ذكر أحدهم أنه كان في مجلسه، فدخل عليه رجل يطلب بطاقة لصرف المواد الغذائية، وبدأ يعدّد أولاده وأفراد أسرته الذين بلغ عددهم عشرة، فأمر راشد له ببطاقة غذاء لعشرة أفراد، وبعد انصرافه قام أحد الجالسين يكلم الشيخ راشد، ويخبره بأن الرجل لديه فقط أربعة أفراد في أسرته، فرد عليه راشد مستنكراً وهو ينهره: وهل طلب رأيك أحد؟».

وتابع سموه قائلاً: «كان يعلم الحال، ويعلم الظروف الصعبة والشديدة التي يمرّ بها شعبه والتي تقترب من حافة المجاعة، ويشعر بالمعاناة ويقدّر الظروف.

مرّ أهل دبي بتلك الظروف الصعبة، وعاشوا الجوع الحقيقي، ومن يعش الجوع يعرف قيمة الاستقرار وأهمية الازدهار. رأى راشد وأهل دبي كيف يمكن أن تنهار الاقتصادات التي تعتمد على مورد واحد. رأى راشد ماذا يمكن للفقر أن يفعل بالناس، وقرر ألا يراه مرة أخرى. رأى راشد كيف يمكن للتجارة أن تكون شريان الحياة التي لن يعود بعدها الجوع لدبي؛ ففتح الموانئ، ووسَّع الخور، واستثمر كل موارده في توسيع البنية التحتية. واضطر في كثير من الأحيان للاقتراض حتى إن البريطانيين اعتبروا مشاريعه وقتها (مغامرات خطيرة)، لكنه عاش القسوة، ورأى المعاناة، وأقسم ألا تعود».

وتابع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: «أبنائي وأحبائي.. دبي لم تولد من الرفاهية، بل من الألم، والجوع، والمعاناة.. دبي ذاقت المرض، وعاشت الخوف، وشاهدت أبناءها يهاجرون منها بحثاً عن لقمة تسدّ جوعهم. دبي مدينة بُنيت على الفهم الحقيقي للواقع، والتقدير الحقيقي لأهمية التجارة والاقتصاد، وعدم الاعتماد على مورد واحد للحياة. دبي تعلمت من السنوات الصعبة دروساً قاسية، والمدن التي تجرب الألم لا يكون النجاح لديها رفاهية، بل مسألة حياة أو موت».

وتابع سموه: «أبـنائي وأحبابي.. عـندما ترون اليوم دبي بأبراجها الشاهـقـة، وعمرانها العظيم، ومطاراتها العالمية وموانئها الكبرى، تذكروا أن هذه المدينة عرفت الجوع والفقر والمرض وسوء التغذية وقسوة الحياة، لكنها امتلكت الرجال والنساء الذين رفضوا أن يكونوا أسرى لتلك الظروف».

محمد بن راشد:

. في «سنوات البطاقة» كان الشيخ راشد، بتوجيهات من الشيخ سعيد، رحمهما الله، يوزع البطاقات على الأسر من أجل الحصص الغذائية المحددة والبسيطة المخصصة لهم حتى لا يموت الناس جوعاً، وخاصة الضعفاء.

. عـندما ترون اليوم دبي بأبراجها الشاهـقـة، وعمرانها العظيم، ومطاراتها العالمية وموانئها الكبرى، تذكروا أن هذه المدينة عرفت الجوع والفقر والمرض وسوء التغذية، وقسوة الحياة.

. دبي مدينة بُنيت على الفهم الحقيقي للواقع، والتقدير الحقيقي لأهمية التجارة والاقتصاد، وعدم الاعتماد على مورد واحد للحياة.

. دبي تعلمت من السنوات الصعبة دروساً قاسية، والمدن التي تجرب الألم لا يكون النجاح لديها رفاهية، بل مسألة حياة أو موت.