خاص لـ هات بوست:
“انتوا أهلها كأنكم في أبوظبي”.. عبارة قصيرة قالها سمو أمير دولة الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، وهو يستقبل صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، لكنها حملت من المعاني ما يفوق الكلمات، واختصرت تاريخاً طويلاً من الأخوة والمواقف المشتركة بين البلدين.
لم تكن تلك الكلمات بروتوكولاً دبلوماسياً عابراً، بل كانت رسالة سياسية وإنسانية تعكس طبيعة العلاقة الاستثنائية بين الإمارات والكويت؛ علاقة لم تُبنَ على المصالح الآنية أو الحسابات المؤقتة، وإنما على الثقة والاحترام والمواقف التي صمدت أمام اختبارات التاريخ.
وجاءت هذه الزيارة في توقيت بالغ الحساسية تمر به المنطقة، حيث تتصاعد التوترات الأمنية وتزداد المخاوف من تهديدات الصواريخ الإيرانية ومحاولات زعزعة الاستقرار في الخليج العربي. وفي مثل هذه الظروف، تصبح الزيارات واللقاءات بين القادة أكثر من مجرد مناسبات رسمية، فهي تعبير واضح عن وحدة المصير وتماسك الصف الخليجي.
وجود الشيخ محمد بن زايد في الكويت خلال هذا التوقيت يحمل دلالات لا تخفى على أحد. فهو تأكيد أن أمن الكويت جزء لا يتجزأ من أمن الإمارات، وأن ما يمس دولة خليجية يمس بقية دول المجلس. إنها رسالة طمأنة للشعب الكويتي قبل أن تكون رسالة للمنطقة والعالم بأن دول الخليج تقف إلى جانب بعضها البعض في أوقات التحديات كما تقف في أوقات الرخاء.
ومن يتأمل المشهد اليوم يستحضر مشاهد الأمس. فالإمارات كانت حاضرة إلى جانب الكويت خلال محنتها الكبرى إبان الغزو العراقي عام 1990، حين وقفت القيادة الإماراتية مع الحق الكويتي، وساهمت بكل إمكاناتها السياسية والعسكرية والإنسانية ضمن الجهد الخليجي والعربي والدولي لتحرير الكويت. لم تكن تلك المواقف استجابة ظرفية، بل امتداداً لقناعة راسخة بأن الكويت ليست دولة شقيقة فحسب، وإنما جزء من البيت الخليجي الواحد.
واليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، تتجدد الصورة ذاتها وإن اختلفت الظروف. فالرجال الذين يؤمنون بالمواقف لا تغيرهم الأحداث، والدول التي تبني علاقاتها على الأخوة الصادقة لا تهتز أمام الأزمات. لذلك لم يكن مستغرباً أن يكون الشيخ محمد بن زايد في الكويت، كما لم يكن مستغرباً أن يستقبله أمير الكويت بكلمات تنبع من القلب قبل أن تُقال على ألسنة المسؤولين.
ويعرف الشيخ مشعل جيداً قيمة هذه العلاقة، كما يدرك مكانة الشيخ محمد بن زايد كقائد عربي يمتلك رؤية واضحة وحضوراً مؤثراً، ويترجم أقواله إلى أفعال على أرض الواقع. ولذلك فإن ما يجمع الرجلين يتجاوز العلاقات الرسمية إلى شراكة في الرؤية تجاه أمن الخليج واستقراره ومستقبل شعوبه.
إن الرسالة الأهم من هذه الزيارة هي أن الأخوة الخليجية ليست شعاراً يرفع في البيانات، بل حقيقة تتجسد في المواقف. فعندما تشتد التحديات، تظهر المعادن الحقيقية للدول والقيادات، وتبرز قيمة العلاقات التي تأسست على الوفاء والصدق.
“انتوا أهلها” لم تكن مجرد عبارة ترحيب، بل كانت عنواناً لمرحلة كاملة من العلاقات الإماراتية الكويتية، وعنواناً لتاريخ من الثقة المتبادلة، ورسالة واضحة بأن الخليج سيبقى بيتاً واحداً، وأن المواقف الأصيلة لا تتبدل مهما تبدلت الظروف.
