خاص لـ هات بوست:
في حين شدَّدت استراتيجية الأمم المتحدة على ضرورة رفع مستوى الوعي باحترام حقوق الإنسان، ونبذ التمييز، وترسيخ قيم التعايش، وقبول التنوع، وفهم الثقافات والأديان الأخرى وتعزيز الحوار بينها، واتخاذ الإجراءات العملية في سبيل ذلك، كانت دولة الإمارات العربية المتحدة قد قطعت شوطًا طويلًا في هذا المضمار قبل ذلك بعقود.
فالتسامح، والتعايش، والانفتاح على المختلف، ونبذ التمييز والكراهية، قيمٌ متأصّلة في مجتمع الإمارات منذ ما قبل الاتحاد بسنوات طويلة، وللباحث ثاني بن عبدالله جهدٌ مشكورٌ ومقاطعٌ مرئيّةٌ متنوعة تشهد على واقع التعايش والود الذي كان سمةً للإماراتي منذ القدم، حتى في تعامله مع البعثات الطبية ذات الطابع التبشيري التي وفدت إلى المنطقة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، والتي أقرّت لإنسان الإمارات بالود والانفتاح واحترام الآخر، رغم عجزها عن تحقيق مهمتها التبشيرية.
وهذا يعني أن التسامح في دولة الإمارات العربية المتحدة لم يكن وليد استراتيجياتٍ حديثةٍ أو شعاراتٍ طارئة، بل هو سلوكٌ فطريٌّ وثقافةٌ متجذرةٌ في وجدان الإنسان الإماراتي منذ القِدم، دون أن يثنيه ذلك عن تمسكه التام والراسخ بهويته الإسلامية والعربية.
وليس التاريخ القريب فحسب، فقد شهد عام 1992 اكتشاف أقدم دير وكنيسة مسيحيَّين في جزيرة صير بني ياس، يعود تاريخهما إلى الفترة ما بين القرنين السابع والثامن الميلاديَين، تلا ذلك في عام 2023 اكتشاف دير مسيحي تاريخي آخر في جزيرة السينية بأم القيوين، يعود تاريخه إلى الفترة ما بين القرنين السادس والثامن الميلاديَين، مما يؤكد أن المجتمع الإماراتي عرف التعددية الدينية وانسجم معها منذ القدم.
لذا لم يكن غريبًا – وهذا تاريخ المنطقة وفطرة أبنائها – أن يرث والدنا الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، هذا الإرث القيمي في حياته، مؤكدًا أن أصحاب الأديان يتفقون جميعًا على عبادة الله، ومن بعده الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رحمه الله، الذي حذّر ممن أساؤوا للإسلام بفهمهم المغلوط، وعلى هذا الدرب الحكيم يسير الشيخ محمد بن زايد آل نهيان حفظه الله.
ففي سياق الحاضر، ومع تصاعد نشاط جماعات الإسلام السياسي، التي يُعَدُّ التمييز الديني والمذهبي والإقصاء والتكفير من أخطر دعائمها، كانت الإمارات هي الدولة الأولى التي تصدر تشريعًا جزائيًا خاصًا يعاقب على التمييز والكراهية والتطرف، وذلك في عام 2015، حيث جرّمت ازدراء الأديان دون استثناء، وما يتصل بذلك من التطاول على الأنبياء، والكتب المقدسة، والمعتقدات، والطقوس الدينية، أو تخريب دور العبادة وتدنيسها على اختلاف مللها.
وعلى خطٍ موازٍ، قدمت الإمارات العديد من المبادرات الشجاعة، والمشاريع الاستثنائية لتعزيز الاحترام الإنساني، وتعزيز مفهوم التسامح، وترسيخ أرضية متينة تضم كل البشر على اختلاف أجناسهم، وأعراقهم، وأديانهم، وثقافاتهم دون تمييز، ولعل أبرز هذه المبادرات: (وثيقة الأخوة الإنسانية) التي تم إطلاقها وتوقيعها على أرض الإمارات، و(بيت العائلة الإبراهيمية) بما يمثله من رمزية عميقة لانفتاح الأديان وتلاقيها على قواسم مشتركة، مرورًا بحزمة من القرارات والقوانين الجريئة والشجاعة في سياقات حقوق الإنسان بشكلٍ عام، وحقوق المرأة بشكلٍ خاص، فضلًا عن تجديد الفكر الإسلامي، وتطوير الخطاب الفقهي، وضمان الحرية الدينية، والتأكيد الدائم على قيمة الدولة الوطنية المدنية المتحررة من قيود الأيديولوجيات المتعصّبة والمتطرفة، والإمارات في هذا كله لا تكتفي بمحيطها المحلي، بل تحرص على نقل رؤاها إلى المجتمع الدولي، ودعم كل قرار يحقق السلم والازدهار العالمي.
من هنا، فإن احتفاء دولة الإمارات باليوم العالمي لمكافحة خطاب الكراهية، الذي صادف الثامن عشر من يونيو ليس مجرد مشاركةٍ بروتوكوليةٍ عابرةٍ بقدر ما يمثّل تأكيدًا على إيمانٍ راسخٍ وسياسةٍ منهجيةٍ ممتدة تُعلي من قيمة الكرامة الإنسانية، وتؤسس لمجتمعٍ حاضنٍ لأفراده مهما كانت اختلافاتهم.
إن يوم الثامن عشر من يونيو بالنسبة لبلادنا هو وقفةٌ سنويةٌ لتأكيد ريادتها، وتذكير العالم بأن صناعة السلام والاستقرار ممكنة متى ما توفرت الإرادة المخلصة، فكما أن خطاب الكراهية هو الشرارة الأولى للصراعات والحروب، فإن خطاب التسامح وقبول الآخر هو اللبنة الأولى في بناء صرح الحضارة والازدهار. والإمارات، برؤية قيادتها ووعي شعبها، تظل المنارة التي تُضيء هذا الدرب للمنطقة والعالم.
واليوم، في هذا العصر الذي نقضي فيه جزءًا غير يسير من أوقاتنا على مواقع التواصل الاجتماعي، يمثّل هذا الفضاء الرقمي بيئةً خصبةً لإحياء مواطن الخلاف، وإذكاء شرارات التعصب والتمييز والكراهية والترصّد للآخر ونبذه، ومن هنا تأتي أهمية الوعي الجمعي والحصانة المجتمعية، وهي مسؤولية جماعية تتكامل فيها أدوار المؤسسات والأفراد، فالقانون يدٌ تحاصر التطرف والكراهية، والوعي هو اليد الأخرى.
وآخِر القول:
“إن التعاون بين البشر – على الرغم من اختلاف الأديان والعقائد – هو أساس السعادة، والتعاون يجمع بين القريب والبعيد.”
الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان
