خاص لـ هات بوست:
هل لاحظتم مثلي بعض المقالات والنصوص المنشورة التي تحمل نمطًا متكررًا وتوافقًا شبه تام على استخدام مفرداتٍ بعينها، وتراكيب محددة، وصِيَغٍ ثابتةٍ؟
شخصيًا أصبحت أراها إحدى علامات استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد النصّ. والمشكلة لم تعد تتعلق بالاستعانة بهذه التقنية، بقدر ما باتت تكمن في الكسل العقلي – الذي تحدثتُ عنه سابقًا – والذي يظهر أثره في هذه النصوص.
قد أجهل آلية عمل الذكاء الاصطناعي بدقة، لكن يقيني أنه ليس ذكيًا بالقدر الكافي الذي يؤهله لإنتاج نصوصٍ تتسم بثراء المفردات وتنوّع التراكيب، والغالب – في ظني – أنه يستخدم الألفاظ والأساليب الأكثر رواجًا بفعل تكرار النشر، لتقديم (منتج) واحد بصياغاتٍ مستنسَخة.
والحاصل أن بعض الكتّاب ينساق خلف هذا (المنتج) برضوخٍ تام، يخلو من المراجعة والتمحيص، ناهيك عن تحفيز الذكاء الاصطناعي على الإبداع! والنتيجة أننا بتنا نقف أمام نصوصٍ مُعلّبة تتبع نسقًا هندسيًّا رتيبًا وكأنها سُبِكَت في قالبٍ واحد.
الذكاء الاصطناعي واقعٌ لا مفر منه، وهو – كأيّ وسيلة – ينفع ويضر بحسب طبيعة استخدامه. وقد تحدثت سابقًا عن الاستخدام المنضبط، من حيث المراجعة الإملائية واللغوية، أو تنسيق الأفكار، أو البحث عن معلومات محددة، حيث يبقى هذا في حيّز القبول ما دام الكاتب يتعامل معه بوعيٍ وعقلٍ نقديٍّ حاضر، فلا يمكن – على سبيل المثال – أن تتأكد من صوابية ضبطه الإملائي إن لم تكن لديك خلفية نحوية متينة، ولن تقبل مقترحاته اللغوية دون تمحيصٍ إن كنت تملك مفرداتٍ وحصيلةً لغويةً غنية تميّز بها ما يلائمٌ روح النصّ وهدفه، وما يعبّر عن ذائقتك أنت، وحتى المعلومات التي يقدمها تتطلب مراجعتها في مصادر أخرى للتأكد منها، لأنه – كما يُعلِن هو نفسه – يقدم أحيانًا معلومات غير دقيقة.
إنّ الكاتب الحقيقي هو “الضابط الأول” لنصّه، ومع التبعية العمياء للذكاء الاصطناعي فإن الكاتب يتخلّى عن دور الرقيب اللغوي والبلاغي والفكري، لذلك تمر أمامه تراكيب رائجة، ومفردات مكررة، وصيغ معلّبة، دون أن يستوقفه هذا التشابه الجليّ مع عشرات النصوص الأخرى!
وبسبب هذا الكسل، تحولت الأداة التي وُجِدت لتكون “مساعدًا” يختصر وقت البحث والتنظيم، إلى “بديلٍ” يفكر ويكتب نيابة عن الإنسان. إنها حالة من الضمور الاختياري للمَلَكات اللغوية والفكرية، والتنازل الطوعي عن أية هويةٍ تعبيريةٍ خاصة، والاكتفاء بنسخةٍ باهتةٍ مُكررة صاغها كاتبٍ اصطناعي!
الشاهد أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون بوعي. هذا الوعي لن تجده لدى الكاتب (التابع) الذي يتنازل عن سلطته على النص لينساق خلف نمطية الآلة وقوالبها الجامدة، بل تجده لدى الكاتب الذي يملك نصَّه ويتحكم في مساره ومفرداته ويضع فيه بصمته الخاصة، إنه الكاتب الذي يعي أن الذكاء الاصطناعي مساعدٌ ذكي لا قائدٌ يملك زمام النصّ.
وآخِر القول..
الذكاء الاصطناعي لا يمنح النصّ كمالًا، فالكمال الحقيقي في أن يظل النصّ إنسانيًّا نابضًا بروح كاتِبِه، حتى وإن شابَته بعض الأخطاء.
