تفاصيل هوليوودية.. كيف تم تهريب ترامب سرّاً من أنقرة؟

أخبار

أحمد الشنقيطي:

كان موكب الرئيس دونالد ترامب يشقّ شوارع أنقرة نحو المطار حين وجد فريقه الأمني نفسه أمام قرارٍ لا يحتمل التأجيل.. بعد أن رصدت أجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية في يوليو تهديداً مصدره وكلاء لإيران باستهداف طائرة الرئيس بصاروخ خفيف محمول على الكتف لحظة مغادرتها العاصمة التركية، وفق مسؤولين أمريكيين وشرق أوسطيين. وفي أسوأ الفرضيات، يتسلّل مسلّح عبر الطوق الأمني المضروب حول قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو»، فيتمركز على مسافة نصف ميل تقريباً من المطار، ويطلق منظومة دفاع جوي محمولة «مانباد» على الطائرة، بحسب تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال”.

صحيحٌ أنّ مقاتلاتٍ حربية كانت ستواكب الطائرة في الجو لاحقاً، وفق مساعدين في البيت الأبيض، غير أنّ لحظة الإقلاع تبقى في مثل هذا السيناريو هي اللحظة العارية.

شكّك مسؤولون أمريكيون في المخطط المفترض ووصفوه بغير العملي وغير القابل للتصديق، ورآه بعضهم مستحيل التنفيذ أصلاً. ونقل مسؤولون في الشرق الأوسط أنّ أنقرة أبلغت نظراءها الإقليميين لاحقاً بأنّها لم تعثر على دليلٍ واحد يشير إلى أنّ ترامب تعرّض في أيّ لحظة لخطر هجومٍ بصاروخ «مانباد».

لكنّ الوقت كان أضيق من أن تتحقق الخدمة السرية الأمريكية من صدقيته، والبلاد تخوض حرباً مع إيران. فاختارت أن تتجنّب المجازفة، ووضعت خطةً تبدو منتزعةً من صفحات روايةٍ سياسية مثيرة.

شاحنة وطائرة

غادر ترامب سيارته الرئاسية وصعد أمام الأنظار إلى نسخةٍ قديمة من طائرة «إير فورس وان». ثم اختفى. انتقل محشوراً داخل شاحنة تموين قصدت طائرةً أخرى، من غير أن يعلم الصحفيون ولا بعض كبار مسؤولي البيت الأبيض أين هو. ورافقه عددٌ محدود من كبار مساعديه، بينهم مساعدته الشخصية ناتالي هارب.

أقلعت الطائرة الأصغر تحمل الرئيس ووزير الدفاع بيت هيغسيث إلى قاعدة عسكرية في المملكة المتحدة. وهناك تكرّرت الحيلة معكوسة؛ حيث عاد ترامب سرّاً إلى الطائرة الأصلية، ونزل درجات سلّمها كمن لم يفارقها لحظة.

وفي المرحلة الأخيرة من الرحلة إلى الولايات المتحدة، انتقل إلى طائرةٍ ثالثة أكثر رفاهية يؤثر استخدامها، ليختم رحلته في ترفٍ أوسع.

تُظهر صور «إير فورس وان» متوقّفةً في المطار التركي مركباتٍ تحمل شعار شركة تموين باسم «Turkish DO & CO». وحين طُلب من الشركة تعليق، أجابت بأنّ متطلبات السرية تمنعها من التعليق على عملائها، وعلى أيّ رحلة رسمية بعينها.

بطولةٌ أم نكتة؟

أكسبت العملية ترامب إشادةً جاءت من حلفائه السياسيين في معظمها، بوصفه تفوّق على خصمٍ رصد عشرة ملايين دولار مكافأةً لمن يقتله.

وفي المقابل، نشر منتقدون صوراً مولّدة بالذكاء الاصطناعي تُظهره منكمشاً داخل شاحنة التموين، في مشهدٍ يناقض صورة القائد في زمن الحرب، والذي نجا من ثلاث محاولات اغتيال.

من جهته، أكد الرئيس الأميركي أنه لم يكن يملك الخيار. وقال للصحفيين مساء الثلاثاء، إنّ القرار يعود فعلياً إلى الخدمة السرية، وإنّه يلتزم بما تقوله هي والجيش، وإنّهم أرادوا له رحلةً مختلفة وطائرةً مختلفة حفاظاً على سلامته.

ولم يكن البيت الأبيض ينوي الكشف عن العملية أصلاً، بحسب مسؤولين، إلى أن نشرتها صحيفة «واشنطن بوست» فأشعلت ضجّةً إعلامية.

ويطالب صحفيون غاضبون بإجابات عن سببين: لماذا حُجب عنهم انتقال الرئيس؟ وهل عرّضهم بقاؤهم على متن الطائرة التي حسبوها «إير فورس وان»، ومعهم وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الخزانة سكوت بيسنت، لخطرٍ حقيقي؟

وذكر مسؤولون أنّ فريق ترامب دفع بمقاتلاتٍ حربية لمرافقة الطائرة التي تركها الرئيس خلفه.

ودافع مسؤول أمريكي عن إدارة الموقف، مذكّراً بالأخطار اليومية التي تحيط بالرئيس، ومؤكّداً أنّ التهديد بلغ من الجدّية حدّاً كافياً لكي توافق الخدمة السرية على خطة الطائرة الطُعم وترسل المقاتلات.

يبقى القلق الأعمق في ما تكشفه المناورة نفسها؛ إدارةٌ تخشى فعلاً أن يبلغ قتلةٌ مرتبطون بإيران هدفهم، حتى داخل بلدٍ صديق.

وقالت هولي داغريس، الخبيرة في الشأن الإيراني بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إنّ نقل رئيسٍ سرّاً إلى طائرةٍ أخرى عقب قمةٍ للناتو وداخل دولةٍ عضو في الحلف أمرٌ استثنائي إلى أبعد حد.

وأضافت أنّ الإدارة تتحدّث عن إيران الواهنة، فيما يظلّ نفوذها من الاتساع بحيث تحاول، وفق المزاعم، قتل أشدّ زعماء العالم حمايةً.

وامتنعت وكالة الاستخبارات المركزية «CIA» عن التعليق.

وأفاد متحدث باسم الخارجية التركية بأنّه لا يملك معلومات في الأمر.

كما لم يردّ مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي على طلب تعليق.

لا مجال للخطأ

بلغت المعلومات المقلقة المستويات العليا في فريق ترامب يوم السابع من يوليو، أي في اليوم قبل الأخير من قمة الناتو، وفق مسؤولين أمريكيين.

كان بعض مساعدي الرئيس قد أبدوا قلقهم قبل الرحلة من السفر جواً إلى تركيا، وخصوصاً على متن الطائرة الجديدة الأقلّ تجهيزاً بوسائل الدفاع.

غير أنّ ترامب لم يشاركهم هذا القلق، وأصرّ على استخدامها في رحلته الخارجية، بحسب مسؤول كبير في الإدارة.

وكانت إسرائيل قد جمعت معلومات عن وكلاء لإيران يتداولون خطة قتل ترامب أثناء وجوده في تركيا.

ووصف مسؤولون في الإدارة ما جرى تبادله مع واشنطن بالغموض، وقالوا إنّ كثيرين في فريق الرئيس لم يمنحوه مصداقيةً كاملة. واشتبه بعضهم في أنّ إسرائيل، الشريك المنتظم في تبادل المعلومات، تسعى إلى دفع ترامب نحو تصعيد الحرب المستمرة منذ أشهر مع إيران.

وبعد ساعات، جمعت الولايات المتحدة معلوماتها الخاصة بشأن التهديد الصاروخي الإيراني، وفق مسؤولين أمريكيين.

ومع ذلك ظلّت الشكوك قائمة. فلا دليل يثبت أنّ المسلحين يملكون في أنقرة الصاروخ المطلوب أو منظومة إطلاقه، بحسب أشخاص مطّلعين على التقييم.

ورأى المسؤولون الأمريكيون أنّ اختراق الطوق الأمني المضروب حول القمة وحول الرئيس مهمّةٌ عسيرة، ولا سيّما بسلاحٍ ظاهرٍ لافت بهذا الحجم.

غير أنّ ثلاثة عوامل اجتمعت فألغت هامش الخطأ؛ سيل التهديدات المتواصل ضد الرئيس، والحرب مع إيران، وصورةٌ استخباراتية مقلقة، وكلّها في وقتٍ ضيّق.

وقال السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي لشبكة «نيوزماكس» الثلاثاء إنّ الموساد الإسرائيلي كان في هذه الحالة تحديداً أحد أسباب يقينهم بأنّ المخطط حقيقي.

سوابق في الأرشيف

عادت الخدمة السرية إلى سجلّ حيلها القديمة لتأمين دقائق ترامب الأخيرة في تركيا. وسبق لهذا الجهاز المعني بحماية الرؤساء الأميركيين، أن نقل الرئيس بيل كلينتون في عام 2000 من باكستان إلى الهند على متن طائرةٍ بلا علاماتٍ مميزة، هبطت بُعيد هبوط الطائرة التقليدية التي تحمل صفة «إير فورس وان».

وبعد عامين، صعد نائب الرئيس ديك تشيني إلى «إير فورس تو» في جدة خلال جولةٍ شرق أوسطية لحشد التأييد لسياسة الرئيس جورج دبليو بوش ضد العراق، ثم انتقل سرّاً إلى طائرة نقل عسكرية من طراز «C-17» توجّهت إلى البحرين.

وفي الحالتين، خلصت الخدمة السرية إلى أنّ القادة المنتخبين يواجهون تهديداتٍ خطيرة في أثناء انتقالهم.

ورأى جون كيربي، الذي تولّى مناصب متحدّثٍ كبير باسم البيت الأبيض والبنتاغون ووزارة الخارجية في إدارتَي أوباما وبايدن، أنّ فريق ترامب أصاب في اتخاذ كلّ إجراءٍ ضروري لحمايته، غير أنّه كان بالإمكان إبلاغ الصحفيين بالخدعة مع حظر نشرها إلى أن يبتعد الرئيس عن الخطر.

وأضاف كيربي أنّ الصحفيين كانوا سيلتزمون بالقواعد، إذ لا شيء أبعد عن رغبتهم من تعريض حياة أحدٍ للخطر، وحياتهم هم في هذه الحالة. ورأى أنّهم، ومعهم الموظفون الذين حُملوا على الطائرة دون علم، كانوا يستحقّون فرصة ترتيب سفرٍ بديل. ووصف السماح للطاقم والركاب بالسفر على متن تلك الطائرة في تلك اللحظة تحديداً، وهم يجهلون ما يحيق بهم، بغير المقبول.

توترات متصاعدة

وكان ترامب قد أبدى في الأسابيع الأخيرة غضبه من التغطية الإعلامية للحربٍ مع إيران، وأمر شخصياً بإصدار مذكّرات استدعاء بحق صحفيين في «نيويورك تايمز» على خلفية تقريرٍ أفاد بأنّ طائرته الجديدة تفتقر إلى وسائل التصدّي للتهديدات الجوية، وفق مسؤولين في الإدارة.

وأبلغ مساعديه أنّ جميع أسلافه زجّوا بصحفيين في السجن لرفضهم الكشف عن مصادرهم، وأنّ على فريقه أن يكون أشدّ صرامة. وسحبت وزارة العدل تلك المذكّرات الشهر الماضي.

وعبر سنوات، تعلّم ترامب وفريقه اتخاذ احتياطاتٍ أمنية من طرازٍ خاص بسبب التهديدات الإيرانية. ففي حملة انتخابات 2024، واجه الفريق هجماتٍ إلكترونية وتهديداتٍ جدّية طالت سلامة الرئيس الجسدية وطائرته. وكانت الحكومة الإيرانية قد كلّفت أحد عناصرها باغتياله قبل الانتخابات، وأفاد مسؤولون سابقون آنذاك بأنّ الخدمة السرية أطلقت تحذيراتٍ جدّية من طائرات مسيّرة قد تلاحقهم، ومن احتمال التسميم.

وفي الأسابيع الأخيرة، سعى الإيرانيون إلى إرباك الإدارة باختراق هواتف محمولة لكبار المساعدين، بحسب أحد المسؤولين. وإلى جانب الرئيس، تلقّى مسؤولون حاليون وسابقون كبار إشعاراتٍ بتهديداتٍ محدّدة تخصّهم، فاتخذوا احتياطاتٍ إضافية.

تفاصيل تقنية

تزامنت هذه المخاوف مع جهدٍ ممتدّ منذ سنوات لتحسين حماية الرئيس جواً. ففي 2023، خلال إدارة بايدن، شرع سلاح الجو في إزالة الأرقام المميزة من أذناب بعض طائراته ليصعّب تتبّعها. غير أنّ هذه الطائرات تبثّ معلوماتها إلكترونياً في الغالب، فتراها الطائرات الأخرى ومواقع تتبّع الرحلات.

أمّا الطائرة التي حملت ترامب من تركيا، وهي «بوينغ 757» أصغر حجماً ومجهّزة للاستخدام العسكري وتُستخدم أحياناً لنقل نائب الرئيس أو وزير الدفاع، فلم تستخدم نداء «إير فورس وان» الشهير الذي يشي بوجود الرئيس على متنها. ولم تبثّ موقعها كذلك، وفق مواقع تتبّع الرحلات، وهو مستوى من التكتّم يوفّر للرئيس قدراً من الحماية.

ولها ميزةٌ أخيرة وهي أن بصمتها الحرارية أخفت من بصمة طائرات «بوينغ 747» الأضخم، ما يجعلها نظرياً أقلّ عرضةً لأنواعٍ من صواريخ أرض–جو، ومنها «مانباد» تحديداً.

المصدر: البيان