فريق الإمارات في نيويورك.. دبلوماسية متعددة المسارات بقيادة عبدالله بن زايد

أخبار

خاص لهات بوست – علياء عبدالفتاح:

نيويورك ليست هذا الأسبوع مجرد محطة على أجندة الدبلوماسية الإماراتية. ففي أروقة الأمم المتحدة، وبين غرف الاجتماعات واللقاءات الثنائية، تتحرك دولة الإمارات عبر فريق حكومي ودبلوماسي متعدد الاختصاصات، يقوده سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، في أسبوع تتقاطع فيه ملفات السياسة والأمن والاقتصاد والتكنولوجيا والمناخ والمياه والتنمية.

ومنذ الساعات الأولى لأعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، بدت خريطة التحرك الإماراتي أوسع من ملف سياسي منفرد؛ لقاءات ثنائية، واتصالات مع شركاء من مناطق مختلفة من العالم، وحضور في الاجتماعات متعددة الأطراف، بالتوازي مع أجندة تمتد من تسوية النزاعات وإصلاح الأمم المتحدة إلى الذكاء الاصطناعي والعمل المناخي والأمن المائي.

نيويورك.. أسبوع للدبلوماسية في عالم منقسم

يترأس عبدالله بن زايد وفد دولة الإمارات المشارك في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، خلال الفترة من 22 إلى 28 سبتمبر 2026، في أسبوع يجتمع فيه قادة العالم في نيويورك وسط تحديات متشابكة تواجه النظام الدولي والعمل متعدد الأطراف.

وتنعقد المناقشة العامة للدورة تحت شعار «استعادة الثقة وإدارة التحول: أمم متحدة تعمل من أجل الجميع»، فيما تتوزع أجندة الأسبوع رفيع المستوى على ملفات تتراوح بين السلام والأمن والتنمية والمناخ والصحة وحوكمة الذكاء الاصطناعي.

وفي هذا السياق، حددت الإمارات ثلاثة مسارات استراتيجية لمشاركتها: دعم جهود تسوية النزاعات وتعزيز الاستقرار العالمي والتسامح والتعايش السلمي؛ ودعم إصلاح الأمم المتحدة لرفع كفاءتها وفاعليتها، بما يشمل الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي؛ ودفع العمل المناخي والحلول المستدامة في مجال المياه.

وبذلك، تدخل أبوظبي أسبوع نيويورك بأجندة تتعامل مع الدبلوماسية بوصفها مساحة تتجاوز إدارة العلاقات السياسية التقليدية إلى ملفات باتت جزءًا من معادلات الأمن والتنمية والتنافس الدولي.

عبدالله بن زايد.. في قلب الحركة الدبلوماسية

في مركز هذه الحركة يقف عبدالله بن زايد، الذي بدأ أسبوع الاجتماعات رفيعة المستوى بسلسلة واسعة من اللقاءات مع وزراء خارجية وكبار مسؤولين يمثلون مناطق مختلفة من العالم.

ففي 22 سبتمبر، عقد لقاءات منفصلة مع وزراء ومسؤولين من كوريا الجنوبية وسلوفاكيا وقبرص وبالاو وكوستاريكا وكوسوفو وكندا وبيرو وتشيلي وبوليفيا والبرتغال، إلى جانب لقاء مع السيناتور الأمريكية جين شاهين.

ولم تقتصر المناقشات على العلاقات السياسية؛ إذ تناولت التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، والثقافة والتعليم والصحة، والتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن الغذائي والطاقة المتجددة والعمل المناخي، إلى جانب القضايا المطروحة أمام الجمعية العامة.

هذه الخريطة الواسعة للقاءات تكشف جانبًا مهمًا من طبيعة الحضور الإماراتي في نيويورك: تنويع دوائر الاتصال، وربط العلاقات السياسية بملفات اقتصادية وتكنولوجية وتنموية تتجاوز الحسابات الدبلوماسية الآنية.

وفي 23 سبتمبر، انتقل التحرك إلى أحد أبرز الاجتماعات السياسية على هامش الجمعية العامة، بمشاركة عبدالله بن زايد في اجتماع دعا إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وضم عددًا من قادة ووزراء خارجية الدول العربية والإسلامية.

وبحسب المعلومات الرسمية المنشورة، تناول الاجتماع التطورات الإقليمية والأوضاع في الشرق الأوسط، وسبل تعزيز الأمن والاستقرار، إلى جانب آليات دعم العمل الدولي متعدد الأطراف وجهود تحقيق السلام والتنمية والاستقرار.

فريق متعدد الملفات

لكن قراءة المشاركة الإماراتية من خلال جدول عبدالله بن زايد وحده لا تقدم الصورة كاملة.

فتكوين الوفد نفسه يقدم مفتاحًا لفهم طبيعة الأجندة الإماراتية في نيويورك؛ إذ يجمع إلى جانب وزير الخارجية مسؤولين عن ملفات دبلوماسية وسياسية واقتصادية وتجارية وصناعية ومناخية وتنموية.

من يقود ملفات الإمارات في نيويورك؟

عبدالله بن زايد يقود الوفد والحركة السياسية والدبلوماسية العامة، والاجتماعات الثنائية ومتعددة الأطراف.

أنور قرقاش يحضر من موقع المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة، في مساحة ترتبط بالسياسة الخارجية والقضايا الاستراتيجية.

ريم الهاشمي تمثل مسار التعاون الدولي والشراكات متعددة الأطراف.

سلطان الجابر يجمع في اختصاصاته الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة وملف التغير المناخي.

ثاني الزيودي يمثل المسار التجاري والعلاقات الاقتصادية الخارجية.

آمنة الضحاك تتحرك ضمن ملفات المناخ والبيئة والاستدامة.

أما لانا نسيبة وسعيد الهاجري والشيخ شخبوط بن نهيان وخليفة المرر، فتتوزع تحركاتهم، وفق اختصاصاتهم الوزارية والملفات المسندة إليهم، داخل شبكة أوسع من العلاقات السياسية والدبلوماسية الإماراتية.

الصورة الناتجة ليست لفريق يتحرك حول ملف واحد، بل لمنظومة تتوزع فيها الأدوار وفق طبيعة القضايا المطروحة على طاولة الأمم المتحدة.

المصداقية.. رأس مال الدبلوماسية

في الدبلوماسية، لا تكفي كثرة العلاقات؛ فالمصداقية هي رأس المال الذي يمنحها القدرة على الاستمرار والتأثير.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تركيز الخطاب الإماراتي في نيويورك على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، والعودة إلى الحوار والقانون الدولي والعمل متعدد الأطراف في وقت يشهد فيه النظام الدولي انقسامات متزايدة.

عبدالله بن زايد اختصر جانبًا من هذه الرؤية عندما أكد أن «الحوار، واحترام القانون الدولي، وتعزيز التعاون متعدد الأطراف» تزداد أهميتها في ظل التحديات التي تواجه السلام والأمن والاستقرار.

والفكرة هنا لا تتوقف عند مبدأ الحوار في حد ذاته، وإنما تمتد إلى قدرة الدول على الاحتفاظ بمساحات اتصال مع أطراف مختلفة، والعمل داخل المؤسسات الدولية، مع البحث في الوقت نفسه عن نتائج عملية.

وهو ما أشار إليه السفير محمد أبوشهاب، المندوب الدائم لدولة الإمارات لدى الأمم المتحدة، في حديثه عن توجه بلاده نحو العمل مع الشركاء من أجل تحويل الحوار إلى خطوات عملية في تسوية النزاعات وإصلاح منظومة الأمم المتحدة والذكاء الاصطناعي والمناخ والأمن المائي.

من السياسة إلى المناخ.. أجندة تتجاوز الدبلوماسية التقليدية

اللافت في أولويات الوفد الإماراتي أن التكنولوجيا والمناخ والمياه لم تعد ملفات جانبية مرافقة للسياسة الخارجية، بل أصبحت جزءًا من صلب الأجندة الدبلوماسية.

فالإمارات تضع إصلاح منظومة الأمم المتحدة ضمن أولوياتها، وتربطه أيضًا بقدرة المنظمة الدولية على الاستفادة المسؤولة من الذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع المشاركة في النقاش الدولي المتصاعد حول حوكمة هذه التكنولوجيا.

وفي الجانب المناخي، يتحرك الملف من زاوية ترتبط بالطاقة والتنمية والاستدامة، بينما يحتل الأمن المائي مساحة متقدمة مع اقتراب مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026، الذي تستضيفه الإمارات بالشراكة مع السنغال في أبوظبي بين 8 و10 ديسمبر.

وقد حضرت التحضيرات للمؤتمر بالفعل في لقاءات عبدالله بن زايد مع عدد من نظرائه في نيويورك، ما يربط أسبوع الجمعية العامة بأجندة دبلوماسية ممتدة إلى ما بعد سبتمبر.

وهذا التداخل بين السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والمناخ يفسر إلى حد كبير طبيعة الفريق الإماراتي الموجود في نيويورك: الملفات مترابطة، وبالتالي تتحرك الدبلوماسية عبر اختصاصات متعددة.

وبين قاعات الأمم المتحدة والاجتماعات الثنائية، تقدم المشاركة الإماراتية في نيويورك نموذجًا لدبلوماسية فريدة فيما يبقى الحوار وبناء الشراكات والعمل متعدد الأطراف في صلب الحركة الإماراتية خلال أسبوع دبلوماسي مزدحم.