نعمة الخوف..

آراء

خاص لـ هات بوست:

     يقولون إن الأمور تُعرَف من أضدادها.. فما الذي يحاول الخوف أن يخبرنا عنه؟ ما هو المعنى الذي فقدناه حتى ظهر لنا ضده، ألا وهو الخوف؟ فلعلّه جاء رسولًا صادقًا، لا يحاول مجاملتنا أو التربيت على أكتافنا بأن لا داعي للقلق، وأن الأمور على ما يُرام، وهي ليست كذلك.

     من المعروف أن الإنسان تُحرّكه المشاعر، بل إن كل ما هو موجود وحاصل هو بفعل نوايا خلقتها مشاعر معيّنة. هناك من يُحرّكه الحب، وهناك من يُحرّكه الجشع، وهناك من يُحرّكه الحسد، وهناك من يُحرّكه النبل. وتأتي الأحداث السياسية اليوم كي تعلّمنا، بعد أن كبرنا، أن هذه الدوافع لا تحصل فقط في أفلام الكرتون كما كنا نظن صغارًا، ولا في علاقاتنا وبيئاتنا الصغيرة عندما كبرنا قليلًا، بل هي الوقود الحقيقي الذي تشكّلت على أساسه شركات ودول! فلكل شركة عالمية نوايا ورؤية حدّدتها مشاعر قيادتها، وهناك جيوش أُعدّت، وحروب شُنّت ما قامت إلا لتحقّق رغبات قياداتها؛ التي إما أن تكون قلوبها قد طُمِست بمشاعر مظلمة وتريد إغراق العالم معها، وإما أن قلوبها قد اهتدت للنور وتريد اتساعه وانتشاره.

     وهذا يعني أن الحرب لم تكن يومًا بين عِرق أو دين، إنما هي حرب بين الخير والشر، والنور والظلام.

     هناك من نشأ وعاش تحت ظل قيادة مظلمة، ربما كانت متمثّلة في أب أو أم، أم شركة أو مؤسسة، أم دولة أو نظام حكومي، ولكنه وجد النور واختار حياة مختلفة تعكس فكره وشعوره وعالمه الداخلي. وهناك العكس تمامًا: من نشأ تحت قيادة من نور وبيئة سليمة، لكنه اختار التعاسة والهلاك.

     ومن هنا فإن اختيارات الإنسان وحدها، رغم ظروفه التي صقلته وشكّلته، كفيلة بأن تكشف إن كان جوف معدنه أصيلًا ونادرًا، أم رديئًا رخيصًا مهما حاول تغطيته بطبقات مرصّعة.

     لكن ما علاقة هذا كله بالخوف وضده؟ إن الخوف هو السياسة التي تقوم عليها الأنظمة الظلامية، والتي بها يتمّ السيطرة على فكر ومشاعر الناس، وإبقاؤهم تحت سيطرتها خوفًا منها، أو خوفًا مما أقنعتهم به من معتقدات وأوهام تجعلهم يشعرون أنهم بحاجة للدفاع عنها من أجل البقاء.

     بينما الحب، وهو ضد الخوف، يأتي ليذكّرنا أن الخوف نعمة وتنبيه يكشف لنا عن خلل يحتاج إلى تصحيح، لنخرج منه أقوى.