في لحظة تتصاعد فيها التوترات في الخليج مجددًا — مع اضطراب الأوضاع في مضيق هرمز وتعثر المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران — لا يزال كثير من التحليل ينظر إلى المشهد من زاوية القوى التقليدية والتحالفات المعروفة.
غير أن هذا الإطار يغفل تحوّلًا مهمًا: الهند، التي طالما اعتُبرت شريكًا اقتصاديًا خارجيًا، أصبحت اليوم طرفًا ذا تأثير متزايد في معادلة الأمن في غرب آسيا.
ليس من خلال القوة العسكرية، بل عبر عناصر قد تكون أكثر استدامة: الانكشاف الاقتصادي العميق، والتشابك الاستراتيجي، والقدرة المتنامية على التأثير في شروط الاستقرار.
أكثر من 60% من واردات الهند من النفط الخام تأتي من غرب آسيا، ما يجعل تدفق الطاقة عبر مضيق هرمز ليس مجرد أولوية استراتيجية، بل شريانًا اقتصاديًا حيويًا.
ومع تزايد التهديدات للممرات البحرية، باتت هشاشة هذا الاعتماد أكثر وضوحًا. بالنسبة للهند ودول الخليج على حد سواء، لم يعد التصعيد مجرد أمر غير مرغوب فيه، بل أصبح غير قابل للتحمل اقتصاديًا.
انهيار الجهود الدبلوماسية بين واشنطن وطهران يضيف طبقة أخرى من عدم اليقين. فالمنطقة تتجه نحو مرحلة طويلة من «إدارة الصراع» بدلًا من حله، حيث تزداد احتمالات سوء التقدير، وقد تؤدي الحوادث المحدودة إلى اضطرابات أوسع. في هذا السياق، تجد الهند نفسها معنية بشكل مباشر، لا كمراقب بعيد، بل كفاعل متأثر.
لكن دور الهند لا يقتصر على أمن الطاقة. فهي، باعتبارها واحدة من أسرع الاقتصادات الكبرى نموًا، تمتلك قدرات متقدمة في التكنولوجيا والبنية التحتية الرقمية والأمن السيبراني — وهي مجالات أصبحت جزءًا أساسيًا من مفهوم الأمن الحديث.
يتجلى هذا الدور المتنامي بوضوح في علاقتها مع دولة الإمارات. فقد تطورت العلاقة من طابع تجاري إلى شراكة استراتيجية شاملة تشمل التعاون الدفاعي، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والأمن البحري، والتمارين العسكرية المشتركة.
هذا التحول يعكس إدراكًا أوسع: أمن الخليج لا يمكن فصله عن أمن المحيط الهندي. فالممرات البحرية التي تربطهما ليست مجرد طرق تجارية، بل شرايين للاستقرار الاقتصادي العالمي.
وليس هذا الترابط جديدًا؛ فقد كانت موانئ الخليج مرتبطة تاريخيًا بشبكات التجارة في المحيط الهندي، مع علاقات ممتدة مع موانئ هندية مثل بومباي وكاليكوت، ما خلق روابط اقتصادية وثقافية عميقة لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم.
حاليًا، يعيش أكثر من 3.5 مليون هندي في الإمارات، يشكلون جسرًا حيًا بين الاقتصادين، ويساهمون بشكل كبير في الحيوية الاقتصادية.
في ظل هذا الواقع، من غير المرجح أن يتخذ دور الهند طابعًا عسكريًا مباشرًا، إذ إن ثقافتها الاستراتيجية تميل إلى الحذر خارج محيطها المباشر. لكن تأثيرها يكمن في ثلاثة مسارات رئيسية:
أولًا، التكامل الاقتصادي، الذي يرفع تكلفة الصراع ويعزز الاستقرار.
ثانيًا، الدبلوماسية المتوازنة، التي تتيح لها التواصل مع مختلف الأطراف.
ثالثًا، التعاون في مجالات الأمن غير التقليدي، مثل الأمن السيبراني وحماية البنية التحتية.
الهند لديها مصلحة واضحة في منع انزلاق المنطقة إلى حالة عدم استقرار طويلة. فأي اضطراب مستمر — سواء في مضيق هرمز أو في مسارات التجارة — سينعكس مباشرة على اقتصادها، من خلال أسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، وتحويلات ملايين العاملين الهنود في الخليج.
لذلك، فإن نهجها يتسم بالبراغماتية والهدوء، بعيدًا عن التصعيد. وفي عالم يتزايد فيه الاستقطاب، قد تكون هذه المقاربة أكثر قيمة من استعراض القوة.
الهند ليست قوة عسكرية مهيمنة في غرب آسيا — وربما لن تكون كذلك. لكن في منطقة باتت تتشكل فيها موازين القوى عبر الاقتصاد والتشابك الاستراتيجي، قد لا يُقاس النفوذ بالقوة الصلبة وحدها.
وفي زمن التوازنات الهشة واللايقين المستمر، قد يصبح تأثير الهند الهادئ ليس فقط مهمًا، بل ضروريًا.
*المقال منشور باللغة العربية على موقع العين نقلًا عن صحيفة «هندستان تايمز» الهندية
