أن تكون مضمونًا

آراء

خاص لـ هات بوست:

     في العلاقات الإنسانية، لا يتحقق الاستقرار دون شعورٍ آمِن؛ حيث تُبنى ثقة كل طرف في الطرف الآخر على اليقين، والاطمئنان إلى أن كليهما سيجد صاحبه في المواقف التي يتطلبها وجوده قولًا أو فعلًا، أو حتى ذاك الوجود المعنوي الذي تسكن به النفس.

     من هنا، يأتي مفهوم الضمان كلبِنةٍ أساسية في بناء العلاقات، وعاملٍ جوهري في بلورة هذا الاستقرار؛ فأن تكون مضمونًا يعني أن تكون مصدر السلام والثقة، ومنبع راحة البال والاستقرار النفسي. أن تكون مضمونًا يعني أن تحرر الطرف الآخر من قيود القلق والتوجس.

     ورغم أن هذا المفهوم بديهي وإنساني وأخلاقي، كما أرى، إلا أننا كثيرًا ما نواجه آراءً ووجهات نظر تضع هذا المفهوم موضع العيب، أو في أفضل الأحوال موضع الضعف، بحيث يُنظَر إلى الشخص المضمون كفريسة سهلة تغري بالخداع والاستغفال! ومن ثَمّ بدأت تتصاعد أصوات بعض منظّري التنمية البشرية والأسرية الداعية لاستبدال هذا المفهوم بآخر يقوم على أساس (الاستغناء) كخيارٍ حاضرٍ دومًا في ميزان العلاقات، بحيث يشعر الطرف الآخر بأن فكرة فقدانك ليست صعبة أو مستحيلة!

     والحقيقة أنني لن أجادل في وجود نمط مؤذٍ بالفعل، يستطيع تحويل كل ميزة إنسانية خيّرة إلى خنجر يطعن به صاحبها، وأعلم أن فكرة الضمان تغري البعض لاستمراء الاستخفاف والاستغلال والإساءة بشكلٍ أو بآخر، كما أعلم أن الضمان كمفهومٍ مطلق متعذَّر التحقّق، ولكن شتّان بين أن يُطرَح خيار التخلّي في العلاقات كعارضٍ تستدعيه الظروف، وبين أن نجعله أصلًا يحدد شكل تعاطينا مع الآخر، مع ما يرافق هذا بالضرورة من سلوكيات تنال من سلامه النفسي وتهز أمن العلاقة واستقرارها.

     إن الأصل في العلاقات الإنسانية أن يركن كل طرف للآخر وهو مطمئن إلى أنه يستند إلى كيان حقيقي صلب، لا إلى كيان هشّ يتداعى عندما يحتاج إليه. أن تكون مضمونًا، فهذه ميزة ونُبْل، ومن يستخفّ بهذا النُّبْل أو يستغل هذه النعمة العظيمة فيك، فيسيء إليك اعتمادًا على حبك وصبرك وحرصك عليه وعلى العلاقة، هو لا يستحقك. ومن يحرمك هذه النعمة في نفسه، ويغرقك في دوامة القلق والتساؤلات، لا يستحقك أيضًا.

وآخِر القول:

لا تتنازل عن صفاتك الجميلة، بل غيّر الأشخاص الذين لا يقدّرونها.